طباعة هذه الصفحة
الأربعاء, 18 نيسان/أبريل 2018 00:47

حلمٌ على جنبات الشام أم عيدُ

كتبه 
قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

   (حلمٌ على جنبات الشام أم عيدُ      لا الهم همٌ ولا التسهيد تسهيدُ

أتكذبُ العين والراياتُ خافقةٌ                أم تكذبُ الأذنُ والدنيا أغاريدُ

أين الأعاجمُ ما حلوا ولا رحلوا             كأنهم حلمٌ في الفجرِ مردودُ

من كان يحسبُ أن الشام يلفظهم             وأن طيفَهم في الشام مفقودُ

تمكنوا من جبال الشام واعتصموا            فكلُّ حصنِ على الأجيال مرّيد

فما حمتْهم قلاعٌ في مشارفها                 ولا أظلّهمُ حشدٌ وتجنيد

ما نامت الشام عن ثأر تبيته             هيهات ما نومها في الثأر معهود

تكاد تفلت من اكفانها رمم                  لتشهد الثأر يوم الثأر مشهود

اين القلاع على الاطواد عانية                  واين منها تهاويل وتهديد

أيحسبون بقصف الرعد مرعبة          قصف وعندهم في السمع تغريد

فما القواذف بالنيران هادمةً             حوضا تعهّده قومٌ صناديد ..)

رحمك الله شاعرنا شفيق جبري وما أشبه اليوم بالبارحة؟!

فعيد الجلاء الذي يحتفل به الشعب السوري في السابع عشر من نيسان من كل عام، وهو تاريخ جلاء آخر جندي فرنسي عن الأراضي السورية ، يأخذ اليوم بعداً أخر مع انتصارات يصنعها السوريون بدمائهم وتضحياتهم وبطولاتهم مواعيد خصب ونماء وتجدد وعطاء، فليس بغريب على هذا الشعب العظيم الذي عادل الحرية والكرامة بالوجود وانتفض في وجه الغزاة فسحق جحافلهم وجيوشهم وجحافلهم الجرارة وجنرالات حروبهم بإيمانه بالحق وعزيمته لاسترداده مهما كلف من تضحيات ودماء رافضا الذل والخنوع فتواصلت ثوراته الوطنية ضد الاستعمارين التركي والفرنسي وكانت الثورة السورية الكبرى التي قادها سلطان باشا الأطرش وشملت جميع مناطق سورية وبعض المناطق اللبنانية تعبيراً عن وحدته الوطنية ورداً على سياسة الاستعمار الفرنسي وقيامه بتجزئة سورية الى دويلات طائفية، فكانت ثورة 1925 البحر الذي تلاقت فيه جميع الثورات الوطنية والراية الثورية التي وحدت جميع السوريين بقيادة سلطان واتخذت من جبل العرب معقلها لتنطلق بيارقها وكتائب فرسانها لخوض عشرات المعارك مع المحتل فوق كل بقعة من تراب الوطن الطاهر رافعة شعار: (الدين لله والوطن للجميع) واستمر نشاط الثورة العسكري من عام 1925 الى بداية العام 1927 في جبل العرب وبقية المناطق فأعادت بطولات مجاهديها عزة العرب وأمجادهم وكبريائهم القومي فتواصل القادة الوطنيون وعقدوا المؤتمرات والمهرجانات الأدبية والشعرية لدعم الثورة في عدد من عواصم الوطن العربي والعالم وقد حققت الثورة انتصارها السياسي بفرض توقيع معاهدة عام 1936وعودة الثوار المنفيين بقيادة القائد العربي الكبير سلطان باشا الأطرش ولعلنا في هذه المناسبة الغالية نتوقف عند عدد من المحطات الهامة في مسيرة هذه الثورة المباركة

لم تكن الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش عام 1925

ردة فعل مباشرة على حادثة المجاهد أدهم خنجر المعروفة، كما يحلو للبعض أن يصورها، بل نتيجة لوعي قومي وطني مهدت إليه العديد من الأحداث فقد قدم جبل العرب الطليعة الأولى من الشهداء قبل السادس من أيار

وكانت الجمعيات العربية وقادة الفكر القومي، وفي مقدمتها الجمعية العربية الفتاة، قد وجدت في جبل العرب تربة مناسبة لغرس الفكر النهضوي التحرري وأدرك العثمانيون أن الجبل مرجل يغلي بالفكر القومي التحرري فوجهوا الحملات العسكرية المتتالية لإخماد جذوة الثورة في الجبل فثار أهل الجبل ضدهم وخاضوا معارك بل سجلوا ملاحم خالدة في الدفاع عن الأرض والكرامة

 وعندما قدم ابراهيم باشا عام 1838م بحملة قوامها 20 الف جندي وكانت ثورة اللجاة أشدها وباتت مقبرة لحملات الغزاة.. ثم جاءت حملة سامي باشا الفاروقي عام1910م رداً على تنامي قوة الجبل وحمايته أحرار العرب واتخاذه ملجاً للهاربين من سياسة التجنيد والضرائب والجندية ومن الحروب والمجاعات من سورية ولبنان وغيرهما من الأقطار وقد تمكن سامي باشا عبر سياسة الغدر والخديعة وايهام أبناء الجبل بنسبه العربي فرحب بعضهم به وسلمت أعداد منهم اسلحتهم فاستغل ثقتهم به ليقلب هزيمة جيشه في معركتي الكفر والمفعلاني إلى انتصار، ومن ثم ألقى القبض على120 شخصا من قادة النضال في الجبل وحكم عليهم بالإعدام وتم تنفيذهفي13اذار1911م شنقاً بستة أشخاص وهم المرحومون:

 ذوقان الأطرش – يحيى عامر – أبو هلال هزاع عز الدين – مزيد عامر – محمد القلعاني – حمد المغوش – وكان من بينهم فضيلة الشيخ المرحوم احمد الهجري ونظرا لما كان يتمتع به من صفة دينية مرموقة (شيخ العقل) اعفي من الشنق وطلبت منه الحكومة العثمانية ممثلة بتوفيق باشا رئيس المحكمة وسامي باشا حضور تنفيذ الإعدام وسماع وصاياهم.

ثم سيق من تبقى منهم إلى غياهب السجون بعد تخفيف الحكم عنهم..

وعندما أعلنت الثورة العربية الكبرى في الحجاز عام 1916م انضوى المجاهدون من جبل العرب تحت لوائها ودخل ثوار الجبل بقيادة سلطان الأطرش إلى دمشق في30 أيلول عام 1918م بعد معركة حامية مع القوة العثمانية المتمركزة في سفوح تلول المانع وقاموا برفع العلم العربي على سارية دار الحكومة بالقرب من ساحة المرجة بعد أن أنزل عنها العلم التركي وراحوا ينشدون:

عرش المظــالم انهــدم                       والعز طيب بلادنا

حنا حمــاتـك يــــا علم                       بأرواحنـا و كبــادنا

بعد نجاح الثورة العربية الكبرى واعتراف الشريف حسين بدور سلطان الأطرش ورفاقه في تحرير دمشق ورفع العلم العربي فوق سمائها، عرض عليه استلام منصب سياسي فقد عرض عليه رئيس الحكومة آنذاك رضا باشا الركابي منصب وزير الدفاع، ولكن سلطان، رفض استلام أي منصب، وفضل العودة إلى حياته العادية في بلدته.

التآمر على سورية

خرج العثمانيون من البلاد ليأتي دور الفرنسيين وصعدت إلى السطح أطماع الدول الاستعمارية الحديثة في اقتسام تركة الرجل المريض "الإمبراطورية" وسياسة الحلفاء واتفاقاتهم السرية وسعي بعض قادة العرب لاسترضاء الدول الاستعمارية خدمة لمصالحهم الخاصة فتصدى السوريون للمشاريع الاستعمارية: (وعد بلفور2 تشرين ثاني 1917 - اتفاقية سايكس بيكو1916- اتفاق لويد جورج- كلمنصو 1919 المتضمن تعديل اتفاقية سايكس – بيكو ولم يرضوا بديلاً عن استقلال سورية بحدودها الطبيعية من طوروس إلى رفح

إلا أن الكفاح والعمل الوطني وتضحيات شعبنا في كل بقعة من بقاع سورية، تواصلت بعد نزول المحتل الفرنسي في الساحل السوري تنفيذاً لاتفاقية سايكس بيكو التي تقاسمت بموجبها الدول الاستعمارية الحديثة تركة الرجل المريض فكان الانتداب الفرنسي على سورية ودخلت القوات الفرنسية سورية، فهب السوريون يقاتلون المستعمر دفاعا عن أرضهم وكرامتهم فكانت ثورة إبراهيم هنانو في جبل الزاوية والشيخ صالح العلي في جبال العلويين والساحل بين عامي 1919 -1921ومعركة ميسلون1920 التي استشهد فيها يوسف العظمة وزير الحربية في حكومة فيصل بعد معركة غير متكافئة مع الغزاة الفرنسيين ثم جاءت الثورة السورية الكبرى1925بقيادة سلطان باشا الأطرش لتكون التعبير الأنصع عن وحدة شعبنا ورفضه مشاريع الاستعمار التي بدأت بتجزئة سورية إلى دويلات طائفية، بهدف السيطرة على مقدرات البلاد التي لم تكن قد تخلصت بعد من رواسب العهد العثماني البغيض، وعمد الجنرال غورو إلى تقسيم سورية إلى دويلات دمشق - حلب - جبل العلويين – ألخ وفي الرابع من آذار من العام 1921تم تشكيل حكومة جبل الدروز، وكان عدد سكان الجبل آنذاك لا يتجاوز52 ألف نسمة وقد لقي هذا القرار رفض ومعارضة معظم أبناء الجبل وفي مقدمتهم سلطان باشا الأطرش، وبتاريخ 25حزيران من نفس العام، دخلت قوات البعثة الفرنسية السويداء بموجب اتفاقية سرية (أبو الفخر – دي كيه) لاحظ الفرنسيون رفض أبناء الجبل واستنكارهم مواقف المقربين من فرنسا، فعمدوا الى تزين سياساتهم بتنمية البلاد وتحضيرها

شمال الوطن يلتقي بجنوبه

في تموز 1922وصل إبراهيم هنانو إلى الجبل، ويصف سلطان باشا الأطرش لقاءه مع المناضل هنانو: (لقد تأثرت بأحاديث هذا الرجل المقدام، وأعجبت بصراحته وعظيم تقديره ووفائه لكل من شارك بثورته من الأفراد والجماعات وزادني إعجاباً به ما لمسته من متانة أخلاقه ونزاهته وقوة إيمانه بحرية بلاده وسعة اطلاعه وعمق تفكيره..)

الثائر أدهم خنجر

ولكن الشرارة الأولى اندلعت عندما اعتقل الفرنسيون أدهم خنجر، الذي كان لجأ مع شكيب وهاب إلى منزل سلطان الأطرش في بلدة القريا على أثر ملاحقة الحملة الفرنسية له في أعقاب محاولة اغتيال غورو، حيث ألقي القبض عليه، قبل وصوله إلى منزل سلطان، ثم سيق إلى السويداء، وعندما علم سلطان الأطرش الذي كان يقوم  بزيارة صديقة المجاهد حمد البربور في بلدة أم الرمان بالحادث، حاول جاهداً إنقاذ الدخيل بالطرق الدبلوماسية وحقوق العشائر، إلا أن القائد الفرنسي رفض كل المحاولات مهدداً متوعداً، قرر سلطان ورفاقه اللجوء إلى السلاح فقطعوا طريق السويداء دمشق وكانت السلطة الفرنسية استدعت ثلاث مصفحات لنقل الثائر العربي إلى دمشق ومن هناك إلى بيروت فكمن لها الثوار وهاجموها في موقع (تل الحديد) وتمكنوا من تعطيل المصفحتين وقتل الضابط بوكسان وثلاثة من جنوده وأسروا أربعة جنود، فلفتت هذه المعركة الأنظار إلى سلطان الذي لم يتردد في شهر السلاح بوجه فرنسا، غير آبه بالحسابات السياسية والمساومات، وقد وصف الشاعر رشيد سليم الخوري (القروي) بطولة سلطان ورفاقه في هذه المعارك أيام 21-22-23 / 7 / 1922في قصيدة رائعة:

خففت لنجدة العاني سريعاً   غضوباً لو رأك الموت ريعا

وثبت إلى سنان التنك وثباً   جسوراً علّم النــسر الوقوعا

فخر الجند فوق التنك صرعى وخر التنك تحتهم صريعاً

هببت لنصرة العاني سريعاً. جـسوراً لو رآك الليث ريعا

فيا لك أطرشا لمـا دعينا          لثأر كنت أسمعنا جميعا

وجهت السلطة الفرنسية حملة عسكرية بقيادة إلى القريا، بينما قامت الطائرات بقصف وتدمير دار سلطان، ما اضطره مع عائلته وبعض أنصاره إلى مغادرة الجبل في 25/7/1922، إلى الأردن واللجوء إلى أسلوب حرب العصابات.

استطاع سلطان بشجاعته الفائقة أن ينسج حوله ما يشبه الأسطورة، ليس فقط في بلاد الشام بل في البلاد العربية كلها ونقلت عنه الصحافة الغربية والأمريكية الكثير عن ذلك البطل العربي الذي برز اسمه كقائد شعبي، وأعاد إلى الذاكرة، أمجاد الأمة وجدد آمال الشعب العربي في التحرر والنهضة. و"كان القادة الفرنسيين يعتقدون أن السكوت على الشرف العسكري المهان، وعلى دم وسلاح عدد محدود من الجنود الفرنسيين، قد يضمن لهم استيعاب هذه الطاقة الهائلة المجسدة في شخص سلطان، فليس من سبيل إلى الشعور بالأمن، طالما هذا الذئب الجائع للانتقام من الفرنسيين وأعوانهم بعيداً عن أعين أعوان الفرنسيين وعسسهم، بل أن معرفة مكان وجوده ومتابعة تحركاته وكل ما يقوم به كان جل ما يطمحون إليه".

وفي الخامس من شهر نيسان 1923أصدرت القيادة الفرنسية عفواً عنه فعاد سلطان ورفاقه في يوم عيد استقلال الجبل المزعوم، واستقبله وطاف به في شوارع مدينة السويداء قرابة أربعة آلاف فارس من أبناء الجبل أمام أعين الفرنسيين.

بعد ذلك توفي الأمير سليم الأطرش مسموماً بدمشق فتولى كاربيه الحاكم الفرنسي للجبل حكم الجبل خلافاً للاتفاقية مع الفرنسيين. سرعت ممارسات كاربيه وتعريضه الأهالي للسجن وأعمال السخرة والنهب وملاحقة المجاهدين في اندلاع الثورة السورية الكبرى في 24 تموز1925 وقد بدأت في4 تموز على شكل مظاهرة عارمة احتجاجاً على ممارسات السلطة الفرنسية وفي12 منه، استغل المجاهد المعروف حسين مرشد رضوان المناسبة وقام بإطلاق الرصاصة الأولى على قائد الشرطة موريل في 25 تموز، تلا ذلك من استدعاء زعماء الجبل إلى دمشق وبيروت وغدر الفرنسيين بهم ونفيهم، ومن ثم توجيه حملة بقيادة الكابتن ( نورمان ) إلى القريا لإلقاء القبض على سلطان الأطرش، وكان سلطان قد توجه في السابع عشر من تموز ومعه خمسة عشر فارساً إلى القرى الجنوبية، حيث وصلوا بكا - أم الرمان - عنز والمشقوق في 18 منه، وفي 19 و20منه إلى إمتان وملح وعرمان وقد استقبل سلطان ورفاقه بالأهازيج والنخوات وإطلاق الرصاص وهناك قامت طائرتان فرنسيتان بالتحليق فأسقط المجاهدون إحداها وأسروا طياريها. ومن عرمان تم توجيه الرسائل إلى القرى للاجتماع على سهل العين جنوبي صلخد، وفي 21 تموز وفي طريقهم هاجم الثور صلخد واحتلوا قلعتها وحرقوا دار البعثة ثم توجهوا لتجميع قواهم في سهل العين وبعد وصول بيرق (ملح) سار الفرسان والمشاة إلى موقعة (الكفر) ليلتحموا بالجنود في معركة دامت قرابة 45 دقيقة، تمكن الثوار بعدها من الاستيلاء على المخيم كاملاً وقد سقط من الثوار 44 شهيداً بعد أن قتلوا القائد نورمان ولم ينج من الحملة سوى سبعة أنفار أرسلوا إلى السويداء لينقلوا خبر المعركة الى القيادة الفرنسية في السويداء.

وجاء في كتاب أدهم آل الجندي وصف لمعركة الكفر نقتبس منه ما يلي:

(.. واندفع سيل المشاة على الجانب الشمالي الشرقي والجنوبي الشرقي من معسكر رجال الفرقة السورية فأحاطوا بالمدافع الرشاشة وانتزعوها من الجند وفي بلبلة ذلك الهجوم المفاجئ اختلط المهاجمون الدروز بالجنود المدافعين وأمضوا فيهم قتلاً وأوقعوا في الجيش خسارة ذريعة دون أن يتمكن من الانتظام في خط القتال، ودب الرعب في قلوبهم واستسلموا للموت، فقد قتل الضابط الطبيب(فورينه) بضربة سيف، وقتل الطبيب (فورنيه) بطعنة في خاصرته أما الكابتن (نورمان) فقد جرح في فخذه الأيمن، وإذ تحققت له استحالة الصمود في وجه المهاجمين اصدر أمره بالانطلاق بالحراب محاولة منه أن يصدع نطاق الحصار، وقت حركة الانسحاب في أسوأ الحالات، وانتظم الكابتن نورمان والليوتنان (هلم غييزون) وبعض جنود الفرقة السورية والكابتان ماي والليوتنان (كاريار) مع بعض الصباحيين في منعرج من الأرض فهاجمهم الدروز فصدوا زهاء عشرين دقيقة فقتل الليوتنان (هلم غيزران) برصاصة في رأسه ثم استمكن الثوار من ظهور القوة وطردوها من ذلك المكمن فتراجع الضباط الثلاثة مع رجالهم إلى مسافة مئتي متر فأحدق بهم الفرسان وقبضوا عليهم ثم أبادوهم .....)

وتعتبر معركة الكفر ردا من ثوار جبل العرب على سياسة المحتل الفرنسي وثأرا لما جرى في ميسلون وقد سقط منهم 44 شهيداً. وكانت مثلاً حياً للإغارة الناجحة التي توفر لها التحضير الجيد والسرعة في التنفيذ وساهمت في رفع معنويات الثوار وزادت عزمهم على متابعة القتال ووفرت لهم السلاح والعتاد لمتابعة المعارك ..

بعد اندحار حملة نورمان توجه سلطان ورجاله إلى قرية قنوات ومكثوا هناك ثلاثة أيام، كان الثوار خلالها يتوافدون من قرى الجبل ومناطقه، فقرر الثوار تطويق قلعة السويداء واحتلال المدينة وفي 26 تموز دخل الثوار السويداء فأحرقوا سرايا الحكومة وحاصروا قلعة السويداء وكان الكومنادن تومي مارتان وأنصاره وجميع الموظفين الفرنسيين وعائلاتهم قد التجئوا إليها للاحتماء بها حيث كانت تضم كتيبة من الرماة الأفارقة ورعيلاً من الخيالة إضافة إلى الموظفين. فسمح قائد الثورة لعائلات الفرنسيين بمغادرتها، قائلاً إننا لا نحارب النساء والأطفال والشيوخ. وبعد مغادرة العائلات أحكم الثوار حصارهم القلعة.

وقعت معارك جسر بصر الحرير وتل الخروف وكانت معركة المزرعة، 2-3 آب / أغسطس 1925 تلك المعركة التي تناقلت أخبارها صحف العالم وكتبت عنها أمهات الصحف في فرنسا والمهاجر وكتب التاريخ، وتعتبر هذه المعركة من أهم معارك الحروب الحديثة حيث كان الجيش الفرنسي يملك الطائرات والدبابات والمجنزرات ورشاشات ومدافع، في حين كان الثوار ابطال جبل الدروز يحاربون بالبنادق العثمانية وبنادق الصيد والسيوف والبلطات التي كسبوها الثوار من انتصاراتهم السابقة امام العثمانيين.وأذهلت أخبار انتصاراتها العالم، وقد سحق ثوار جبل العرب بقيادة سلطان الاطرش الحملة الفرنسية بقيادة الجنرال ميشو الضابط المعروف منذ الحرب العالمية الأولى.

بدأ جيش فرنسا بقيادة الجنرال ميشو (Michaud) بالزحف إلى مدينة السويداء، وكان تعداد الحملة 13000جندي وضابط فرنسي. قابلهم الثوار الذي بلغ عددهم حوالى 400 ثائر بقيادة سلطان باشا الأطرش قرب قرية المزرعة. كان العدو قد نشر في السهل المنبسط، شرقي «تل الخروف» وجنوبه، عدداً كبيراً من القناصة ورماة الرشاشات، الذين تواروا خلف متاريس حصينة مموَّهة. اصطدم الثوار بمجموعة يتكوّن منها آخر القسم الأول من الجيش الفرنسي المتقدم، وقتلوا عشر من جنودها، وغنموا بعض البغال المحملة بالأسلحة والذخائر، وعادوا وهم يردّدون أهازيج النصر إلى قراصة.. ولما رأى الثوار الآخرون ما رأوه من فعلهم، انقضوا بدورهم على مجموعات أخرى من فصائل الجند، وكان في مقدمتهم فرسان قرية نجران الأشاوس، فخاضوا معركة عنيفة حققوا فيها نصراً مؤزراً وغنموا كميات كبيرة من الأسلحة والعتاد الحربي والبغال، وساقوا معهم عشرات الأسرى. لقد اندحرت الحملة الفرنسية اندحاراً كاملاً، وتبعثرت جثث قتلاها وهياكل مدرعاتها، وآلياتها المختلفة وأسلحتها الثقيلة بين السهول الممتدة من المزرعة شرقاً حتى قرية الدور ومشارف بصر الحرير غرباً. واستطاع العديد من ضباطها وجنودها أن يفلتوا من الأسر، على الرغم من ملاحقة خيالتنا لهم، فوصلت آخر أفواجهم إلى محطة ازرع مساء ذلك اليوم وهي خائرة القوى. لقد اختلفت الروايات وتناقضت في ذكر عدد الجنود الذين كانت حملة «ميشو» تتألف منهم، اختلافها وتناقضها في ذكر عوامل هزيمتها وأسباب اندحارها.

ويقول عبد الرحمن الشهبندر: "أخطأ الدروز فلم يواصلوا الزحف على الشام بعد ما أفنوا حملة ميشو وخطفوا قلب الجنرال سراي من موضعه. وبذلك أضاعوا فرصة ثمينة. ولم نكن نحن الشام على استعداد بعد لجني ثمر هذا الانتصار المفاجئ والباهر".

"أفضل ما يقال عن انتصار المزرعة انه انتصار باهر لم يحسن استغلاله. فلا سلطان أمر رجاله بتعقب الفرنسيين الذين كانوا مشلولي القوة. يجتازون أخطر مرحلة وأسوأ وضع منذ نهاية الحرب الكبرى من جراء الضربات الموجعة التي تلقوها على يده في سوريا ويد عبد الكريم الخطابي في المغرب العربي ولا المناطق السورية هبت إلى الثورة لتكمل ما بدأه الدروز *** فيه بسرعة ولو حصل هذا لكان أدى إلى طرد الفرنسيين نهائياً فما أسباب ذلك؟ ومن يتحمل مسؤولية ضياع الانتصار المفاجئ والباهر".

أما منير الريس فيقول: "لقد كان النصر في معركة المزرعة مؤزراً وحاسماً وكافياً لطرد فرنسا من سوريا لو أن الثورة كانت عامة تسود سوريا كلها".

امتدت معارك الثورة لتعم جميع المناطق السورية وخاض الثوار السوريون مجتمعين معارك العادلية ودمشق والغوطتين والإقليم ووادي التيم ولبنان، ومعارك حمص وحماه فكانت الوقفة المشرفة للصحافة المصرية ونقلها الدقيق لأخبار الثورة والدعوة لتقديم المساعدات المادية اللازمة لها، وفي دمشق عقد اجتماع عاجل في معلقة آل بكري بالقابون حضره عدد كبير من الوطنيين والمخلصين لعروبتهم، ومن ثم انتقل الاجتماع إلى منزل عثمان الشراباتي، وقد حضره كل من فوزي ونسيب وأسعد البكري، عبد الرحمن الشهبندر، حسن الحكيم، جميل مردم بك، نبيه العظمه، حسن حيدر، توفيق الحلبي، حيث أقر المجتمعون البنود الأربعة التالية: أولاً: نزع الفوارق الحزبية واتحادها باسم الثورة الوطنية العامة، ثانياً: جلاء الفرنسيين من جميع الأراضي السورية، ثالثاً: الاشتراك فعلياً بالثورة والالتحاق ب (جبل الدروز)، رابعاً: إرسال وفد مكلف ومستعجل باسمهم للحضور إلى الجبل لتبليغهم قرار الوطنيين وقف أية مفاوضات منفردة بين حكومة الانتداب والجبل وأن تكون المفاوضات باسم عموم سوريا، وصل الوفد إلى بلدة قنوات، ولقي موافقة وتجاوب القوى الثورية في عموم سورية، وفي حماة عقد اجتماع باسم الجمعية السرية وأناطت هذه الجمعية التي زاد عدد أعضائها على 200 مجاهد قيادة الثورة بالضابط فوزي القاوقجي وكانت وضعت مشروعاً، يعد وثيقة هامة في تاريخ الثورة السورية، حملة اثنان من أعضائها، هما منير الريس ومظهر السباعي: جاء فيه: (يتعهد الحمويون بإشعال نار الثورة ضد الفرنسيين في حماة في أوائل تشرين الأول من العام 1925)

وتم توحيد كلمة الثورة وإسناد قيادتها إلى سلطان باشا الأطرش والدعوة للثورة السورية العامة وتوافد قادة الثورات السورية وكبار القادة ومشاهير الثوار الى جبل العرب من مختلف مناطق سورية ومن بعض مناطق لبنان يعلنون انضمامهم للثورة وعقد المجلس الوطني اجتماعات مكثفة.

ونذكر من وفد دمشق: عبد الرحمن الشهبندر - نزيه المؤيد العظم- سعد الدين المؤيد العظم- فوزي ونسيب وأسعد البكري - يحيى حياتي- سرحان أبو تركي - سعيد حيدر - حسن الحكيم -شكري القوتلي -عبد القادر قواص - إبراهيم صدقي - جميل البك أبو صلاح الوجا - سعيد اليمني - خليل بصلة - سعيد الآظن - سليم الشويري.

إعلان الثورة السورية العامة

بعد اندحار حملة ميشو وانضمام كل من ثوار دمشق وأبطالها إلى الثورة. وبناء على طلب وفد حماة تقرر إعلان الثورة باسم الثورة السورية العامة وبعد المناقشات وإبداء وجهة النظر اقر المجتمعون على تشكيل لجان الثورة كما يلي:

سلطان باشا الأطرش قائداً عاماً للثورة

الأمير عادل أرسلان منظماً للثورة

الدكتور عبد الرحمن الشهبندر رئيساً سياسياً.

وأعضاء مجلس الثورة: نسيب البكري - نزيه المؤيد العظم- فؤاد سليم- سعيد العاص- حسين صخر- رشيد باشا طليع.

لجنة دعاية واتصال خارجي: شكري القوتلي- ميشال لطف الله - حسن الحكيم وتوزعت المسؤوليات والمنشورات الحربية وبيانات الثورة. كما وجهت القيادة العامة نداءً حاراً إلى كافة الأمة السورية بواسطة الصحف اللبنانية وأخص منها جريدة الصفاء الغراء. وجريدة المقطم المصرية.

فانضم اليها الثوار السوريون وكبار القادة من مختلف مناطق سورية أمثال سعيد العاص وفوزي القاوقجي ورمضان شلاش وأحمد مريود وحسن الخراط والدكتور الشهبندر ونسيب البكري ويحيي حياتي ورضا الصبان وجميل مردم وبشير الهندي والدكتور أمين رويحة وفوزي البكري وحسن البكري ونزيه المؤيد وسعيد اليماني وسعد الدين المؤيد ومظهر السباعي وعلي زلفو ونزيه العظم ومنير الريس وابراهيم هنانو وشكيب وهاب وسعد الدين العظم وغيرهم الكثير الكثير من القادة وكبار المجاهدين ومن لبنان القائد العربي المجاهد رشيد طليع والأمير عادل ارسلان والشهداء العقيد فؤاد سليم وعادل النكدي والضابط خطار أبو هرموش. وقد خاض الثوار معارك طاحنة مع جيش الاحتلال الفرنسي وامتزجت دماء الثوار السوريين ترسم خارطة الوطن وتروي ترابه الطاهر وكانت معركة المسيفرة: 16 – 17 أيلول 1925م إحدى المعارك الخالدة . قادها من الفرنسيين الكولونيل اندريا قوامها 1500 مقاتل .... فقد ثوار جبل العرب عنصر المباغتة عندما أطلق الفرنسيون الأضواء الكاشفة فوق السهول الفسيحة للبلدة وفتحوا نيرانهم دفعة واحدة, بحيث لم يستطع المتقدمون اتخاذ إجراءات وقائية فكان لابد من الهجوم المكشوف وبشجاعة نادرة وقد سقط على أثرها أكثر من مائتي شهيد .... وتمكن من تبقى من الثوار من اختراق صفوف العدو وإنزال الخسائر الفادحة بصفوفه ومعارك السويداء

و(يصف الدكتور الشهبندر في مذكراته معركة السويداء التي شهدها والتي وقعت 1926بقوله: شهدت اليوم في 25 نيسان 1926 معركة من أعظم المعارك وهي مهاجمة السويداء فقد ابتدأ ضرب الدبابات بقنابل الصربند والرشاشات في الساعة 12 والدقيقة 30 عربية صباحاً ودام ساعتين ثم انقطع ربع ساعة وباشر ثانية وبقي زيادة على ساعة وبعد ثلاث ساعات ونصف حلقت في السماء إحدى عشر طائرة صبت نيرانها على السويداء بصورة فضيعة من قنابل ورشاشات .والى الساعة الرابعة والنصف لم يهدأ ضربها، والدخان والغبار والأحجار المبعثرة قد ملأت عنان السماء وقد اضطررنا. إلى النزول والوقوف في الطريق العام في العراء من أجل الجرحى وإسعافهم). ومعركة اللجاة خاصة ( معركة لاهثة ): وهي أطول المعارك مع الفرنسيين الذين زحفوا على وادي اللوا وهاجموا القرية وباقي قرى اللجاة ومنع الثوار الجيش الفرنسي من التقدم وسجلوا ملاحم خالدة في البطولة والفداء وقد بقي الثوار يقاومون حملة الجنرال أندريا باللجاة 43 يوما إلى أن نفذت منهم الذخيرة غادروا بعدها اللجاة الى الصفاة...كما جرت معارك أخرى متعددة في معظم نواحي الجبل ولا يمكن في هذه العجالة التوقف عند كل منها.. وقد انتقل عدد من مجاهدي الجبل إلى الغوطة وحاصبيا وراشيا للقتال مع مجاهديها واختلطت دماء الثوار من مختلف مناطق سورية لتروي ثرى هذا الوطن وجاء الاستقلال التام في 17 نيسان 1946م وهو العيد الوطني لسوريا يحتفل به كل عام نتيجة نضال وطني ثوري وسياسي شارك فيه جميع السوريون واعتصامات واضرابات ومظاهرات استمرت الى حين اعتراف فرنسا بحق السوريين في الحرية والاستقلال وبعد معارك دامية توجت بارتكاب فرنسا مجزرة بقصفها البرلمان السوري لرفض اعضائه اداء التحية للعلم الفرنسي في 29 ايار 1945. وكانت السويداء على موعد مبكر مع النصر حيث حرر ابناء جبل العرب جبلهم ورفعوا العلم السوري قبل عام كامل من تحقيق الاستقلال التام

 

 

تمت قراءته 1034 مرات آخر تعديل على الأربعاء, 18 نيسان/أبريل 2018 01:02
منهال الشوفي

مدير موقع السويداء اليوم

كاتب وصحفي- شغل مهام مدير مكتب جريدة الثورة الرسمية في السويداء-أمين تحرير جريدة الجبل- مقدم ومشارك في إعداد عدد من برامج إذاعة دمشق

أصدر كتبابين (بيارق في صرح الثورة) مغامرة فلة -القصة الأولى من سلسلة حكايات جد الغابة

الموقع : facebook.com/mnhal.alshwfy