طباعة هذه الصفحة
الأربعاء, 01 نيسان/أبريل 2015 17:14

ملكة الصحراء "غيرترود بل" تعلمت العربية وركبت الحصان والجمل

كتبه 
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

هذه المرأة التي اطلق عليها العراقيون اسم "الخاتون"  (امرأة عالية المقام واصلهامن تأنيث كلمة ( خاقان - تون ) ويعني الملك أو السلطان) فكانت زمن الملك فيصل الاول، تضع القوانين، وتنصب الوزراء، ويحسب لرأيها حساب في وزارتي الخارجية والمستعمرات، والتي تعد من موجهي سياسة بريطانية في العراق في عهدي الاحتلال والانتداب.
يقدم الاستاذ كمال الشوفاني الرحالة غيرترود بل (1868 – 1926 ) على الشكل التالي: في مطلع القرن العشرين وصلت إلى بلادنا مغامِرة إنكليزية عشقت الشرق، وعاشت معظم سني عمرها فيه. إنها الرحالة والمرأة الأكثر شهرة في أيامها في الشرق، غيرترود بل.

ولدت (بل) في 14 تموز 1868 في إنكلترا لأسرة صناعية غنية أمنت لها الدراسة في جامعة أكسفورد، حيث حصلت على إجازة في التاريخ عام 1888.

بدأت رحلاتها إلى الشرق عام 1892 بزيارة إيران، وقد وصفت زيارتها بكتابها الأول (صور فارسية). وأمضت العقد التالي من حياتها تتجول في أصقاع الأرض، مارست خلالها صعود الجبال في سويسرا ودرست علم الآثار وتعلمت لغات عديدة كالعربية والفرنسية والألمانية والايطالية والفارسية والتركية .

عادت ثانية إلى الشرق أواخر عام 1899، فزارت فلسطين وسورية (سورية ولبنان وشرق الأردن) وقد حطت الرحال أولا في القدس حيث ثابرت على تعلم اللغة العربية قبل أن تنتقل إلى شرق الأردن وتزور البتراء وشمال الأردن حتى تصل إلى مشارف جبل حوران، فتقوم برحلتها المهمة إلى الجبل قبل أن تتجه إلى دمشق فشمال سورية عائدة إلى أوروبا.

بعد خمس سنوات عادت إلى المنطقة وقد أصبحت أكثر خبرة في شؤون هذه البلاد، وكانت قد أتقنت اللغة العربية جيدا. كانت وجهتها الأساسية جبل حوران مرة أخرى، واستطاعت هذه المرة أن تتجنب الصدام مع الأتراك لتجد طريقا سالكة تدخل منها الجبل دون خوض المفاوضات العقيمة معهم. وكان لها ما أرادت، رغم أن الرحلة هذه المرة كانت في ظروف طبيعية قاسية وسط الثلوج والصقيع والأجواء الباردة. وغادرت (بل) الجبل إلى المناطق السورية المختلفة من دمشق حتى الشمال وصولا إلى الأراضي التركية، وقد دونت مشاهداتها في تلك الرحلة بكتابها (الصحراء والأرض المزروعة) عام 1907.

  في عام 1909 قامت بل برحلتها الطويلة على ضفاف الفرات وعادت عن طريق شمال العراق وسجلت رحلتها في كتابها (من مراد إلى مراد).عادت بعدها عام 1913 لزيارة الجزيرة العربية وحطت الرحال في مدينة حائل، وكانت ثاني امرأة أجنبية تزورها بعد السيدة آن بلنت.

في عام 1914 بدأ فعليا عملها السياسي عندما أُرسلت إلى البصرة لمساعدة الجيش البريطاني في دخول بغداد. ثم أوكلت إليها وظيفة رسمية من قبل المفوض بيرسي كوكس وأعطيت لقب سكرتيرة الشرق. وفي عام 1921 اختيرت مع مجموعة من المستشرقين بينهم لورنس من قبل وزير المستعمرات الإنكليزي ونستون تشرشل للمشاركة في مؤتمر القاهرة الذي تمخض عنه قرار إنشاء مملكتين هاشميتين في كل من شرق الأردن والعراق. فسعى لورنس لإنشاء المملكة في شرق الأردن يكون على رأسها عبد الله بن الحسين، أما (بل) فكانت موكلة بتقديم الدعم لشقيقه فيصل لاعتلاء عرش العراق.

خلال وجودها في العراق عاشت بل في القصور الملكية، وكانت المستشارة الأولى للملك فيصل ولقبت بألقاب عديدة منها اء

في صباح يوم الاثنين 12 تموز 1926 وقبل يومين من عيد ميلادها الثامن والخمسين وجدت (بل) ميتة وبجانبها علبة حبوب منومة، وقيل إنها تناولت جرعة زائدة منها أودت بحياتها.

بعد هذا التقديم ننشر لكم أيها الأعزاء وزوار الموقع وللقارئ الكريم تعريب وإعداد: محمد حسن ومحمد أمين عنكتاب 'مس بيل' ابنة الصحراء وعاشقة الشرق (3)تأليف: جورجينا هاويل - المنشور في /02/11/2007وفيه خلاصته رحلتهاالاستكشافية الى جبل الدروز

(...وعدت أسرة روزين ضيفتها غيرترود بقضاء أسبوع في رحلة استكشافية الى جبل الدروز، حيث منطقة بصرى إلى الشمال، وبصرى مدينة رومانية فيها قلعة وأقواس للنصر. وبحلول ابريل كانت قد توغلت لوحدها في الصحراء لعدة أسابيع في كل مرة، وباتت تعتقد ان الأمر ليس بتلك الصعوبة، وعند عودة أسرة روزين إلى القدس، قالت انها ستتوغل في المناطق الجبلية لزيارة الدروز، وربما التوجه الى الصحراء السورية والوصول الى تدمر، التي تقع على بعد مائتي ميل خلفها، والدروز يتميزون بالقوة والشراسة ويعتبرهم الاتراك خطرين وينظر اليهم بصفة عامة على انهم متمردون، ولا بد ان تكون لدى أسرة روزين تحفظات حول سفر غيرترود كامرأة وحيدة.

بدأت الرحلة بكل ارتياح، حيث اصطحبت اثنين من الطباخين وسائق البغال محمد ومعه اثنان لمساعدته، بالإضافة الى خمسة بغال لنقل المعدات والاغراض، وكانت تسجل في مذكراتها التي كانت تكتبها في خيمتها كل ليلة تقريبا كل المواقع الأثرية التي تمر بها، وكل مضارب القبائل التي في طريقها مثل عباد وبني حسن، عدوان، وحوران، وعنزة.

مفاوضات مضنية

وفي بصرى تجولت في المدينة ودخلت في مفاوضات مضنية مع المدير أو المسؤول العربي المحلي، حول بقية رحلتها، وكان الاجراء المتبع هو طلب الاذن لدخول مناطق الدروز، ولكنها كانت تدرك بانها لن تستطيع الحصول عليه، وبالتالي فقد تظاهرت ان وجهتها هي سلخاء الواقعة في الشمال الشرقي، حيث ترغب في مشاهدة الآثار. وهي لم تكن أول رحالة في الصحارى يستخدم مسألة التنقيب على الآثار كحافز ظاهري للرحلة التي تكون لها أسباب مختلفة، الا ان تلك كانت هي المرة الأولى التي تقوم فيها بذلك، وبحلول ذلك الوقت كانت معرفتها باللغة العربية أصبحت جيدة بحيث انها باتت تعرف لغة التعامل والمجاملات الاجتماعية، كما بدأت تتقن المستويين في اللغة أي الفصيح والدارج.

مفاجأة في الخيمة

وكان لقاؤها مع الحاكم العسكري في المدينة لقاء سيئا، فقد كان يرتدي قميصه الداخلي بينما كان احد العاملين معه يحلق له لحيته طوال فترة المقابلة، وكانت عيناه قد زينتا بالكحل ولم يعجبها المدير، وقد زاد عدم اعجابها به عندما زارها فجأة في خيمتها في وقت متأخر من الليل واطفأت شمعتها على عجل، وابلغت طباخها ان يقول انها نائمة، واثناء استراحتها ليسمع الحديث، سمعت الرجل يقول محذرا إنه لا يمكنها الذهاب الى اي مكان من دون تصريح، وحالما يكون هنالك تهديد من اي نوع لتقييد حركتها فإنها تنصرف بسرعة. وقامت بإخلاء المخيم في الساعة الثانية فجرا، وببزوغ الشمس كانت قد قطعت مسافة بعيدة في طريقها باتجاه الشمال. لأنها كانت تدرك ان المدير قد يطلب ملاحقتها.

وكانت المرأة الأولى التي تسافر وحدها في تلك الانحاء بل ان طاقم مرافقيها كان ينتابهم القلق جراء ما يمكن ان يحدث غير ان الحظ كان إلى جانبها. ومنذ لحظة وصولها الى قرية درزية تقع في سفح جبل كليب استقبلت استقبالا حارا وعوملت بعطف، واحترام.

كانت تدرك ان عليها ان تقوم بزيارة مجاملة تقديرا لزعيمهم يحيى بك. كما اتخذت الخطوة التالية الصحيحة في اسلوب المعاملات في الصحراء التي تجعل الزائر يحظى بحماية العشيرة. وكان المحارب القديم، وزعيم العشيرة الأول الذي تتعرف عليه، قد اطلق سراحه اخيرا بعد قضاء خمس سنوات في السجن التركي. وكان شخصا رائعا، شديد الوسامة ومهذبا، حسب وصفها.

اللياقات المفيدة

وضع الحشايا على الارض، وربت عليها ودعاها للجلوس معه والانضمام اليه ورجاله لتناول وجبتهم من اللحم والفاصوليا، فأكلوا بالأيدي من طبق كبير وضع في الوسط. وسألها عن رحلتها وطلب من بعض رجاله اطلاعها على جميع المواقع الاثرية في المنطقة، واصطحابها بسلام الى وجهتها التالية. وقبل مغادرتها طلبت الاذن بالتقاط صورة له. وقد ادركت المدى الذي تصل اليه حماية الشيخ الاكبر، وذلك عندما سمعت بعد اسابيع من ذلك ان يحيى بك استمر في متابعة تقدمها، وظل يبعث بالرسائل يسأل فيها القرويين 'هل رأيتم ملكة او قنصلة تتنقل في مناطقكم؟' فقد كانت تنتقل بأسلوب ينم عن ذوق رفيع، فهي تحمل معها اقشمة الكتان، والاكواب الزجاجية، والشوك والسكاكين التي كانت تستخدمها يوميا والتي ربما تكون قد استعارتها من القنصلية.

ماء بالحشرات

وقبل مغادرة المنطقة زارت قرية اخرى حيث اثارت اعجابها وسامة الرجال. وقد ظهر عليها بعض الحرج عندما كتبت عن هذا الامر الى اسرتها. واقامت لفترة قصيرة في دمشق وتوجهت بعدها الى تدمر وبصحبتها ثلاثة من الجنود الاتراك حيث تفادت طرق السياح، وقد اكتسبت بعض القوة فهي لم تكن الى ذلك الوقت تشرب الماء العكر ولكن بعد يومين من التنقل من دون ماء اغمضت عينها وشربت من ماء بركة تعوم فيها الحشرات والدود.

وتنقلوا ببطء عبر الصحراء حيث ينطلقون قبل بزوغ الشمس. وكان الدليل احمد يسير في المقدمة وهو يرتدي ثيابا بيضاء. والى جانبها يسير الجنود الثلاثة وخلفها تسير البغال التي يمكن سماع رنين الاجراس المعلقة على اعناقها، وقد اذهلها الصمت المطبق الذي يسود الصحراء وهو يفوق الصمت في اعلى الجبال، حيث يمكنها سماع نوع من الصدى لسقوط الجليد والاحجار، اما هناك فإنها لم تسمع اي شيء.

وكانت تتعلم درسا جديدا كل يوم في كيفية البقاء على قيد الحياة في الصحراء، كما تحسنت لغتها العربية حيث باتت تستطيع تبادل الحديث حول سياسات الصحراء مع كبار رجال العشائر ممن تلتقيهم في طريقها. وقد بدأت تشارك ايضا في تدخين النارجيلة التي تدور بينهم اثناء تبادل الحديث، ولم تعجبها في البداية، لكنها بدأت تدريجيا تستسيغ تلك العادة.

على ظهر الحصان

واصبحت غيرترود تمضي ما بين عشر واثنتي عشرة ساعة على ظهر الحصان كل يوم، وكانت تمضي اوقات التنقل هذه في القراءة او النوم على ظهر الحصان، وتعلمت كذلك كيفية ترك عنان الحصان لكي تراجع الخرائط او للإمساك بالشمسية اثناء السير.

واثناء صعودهم الى التلال اصبحت ترتدي معطفين وبطانية، واصبحت الطريق وعرة مع اقترابهم من تدمر، استيقظوا آخر يوم في منتصف الليل، واستمروا في السير حتى شروق الشمس، وبدت لهم قلعة تدمر في الافق، وقد علتها سحابة من الغبار، وقد اعتبرت الابراج واعمدة الشوارع، ومعبد بعل الضخم من اجمل الاشياء التي شاهدتها منذ زيارتها الى البتراء، وقد امضت يوما كاملا في استكشاف المدينة والقيام بزيارات للمجاملة الى كبار المسؤولين، وعادت بعدها الى متابعة الرحلة.

الطريق إلى دمشق

في الطريق الى دمشق، انضمت اليهم قافلة كبيرة من الجمال، كانت قد قدمت من منطقة نجد للتسوق، وكانت تقودها مجموعة من رجال قبيلة العقيل برئاسة شيخهم، وكانت القافلة تخشى الهجمات التي قد تتعرض لها، ورغبت في الحصول على الحماية الاضافية التي يوفرها وجود جنود غيرترود الاتراك الثلاثة اذا ما كانت هنالك حاجة لذلك. وكانت غيرترود بدورها تود الحديث الى الشيخ ومعرفة احوال صحراء نجد المخيفة التي كانت ترغب في زيارتها يوما ما. كما انها باتت تعرف مسألة رد الجميل وتود ان يكون لديها جميل لدى قبيلة العقيل.

وفي طريق العودة، التقت مصادفة بعربة على متنها سائحتان، وهما سيدتان انكليزيتان كانت قد التقتهما في القنصلية في القدس. وكانتا في غاية الاناقة والنظافة، وقد تساءلتا عن عدم نظافة ثيابها وعدم ترتيب شعرها، وابتعدتا عنها وعن رجال قبيلة العقيل الذين كانوا يحملون السكاكين، ورماحا طويلة، غير ان غيرترود سعدت للقاء مس بلاونت ومس غريث مرة اخرى وصعدت الى عربتهما، حيث تناولن الشاي الانكليزي وبسكويت الزنجبيل.

وفي منتصف الطريق الى دمشق نصبت مخيمها حيث شاهدت مجموعة من الحسبينة بخيامهم السوداء قادمين من مضاربهم الشتوية، وجاء لزيارتها شيخهم محمود الوسيم الذي يبلغ عمره عشرين عاما او اقل، وقد ردت له الزيارة في وقت لاحق في خيمته، وجلست مع مجموعة الرجال الذين كانوا يحيطون به. وعند تقديم القهوة بدأ احد العازفين يعزف على الربابة، وبعد فترة قصيرة ودعتهم وغادرت المكان.

وحال وصولها إلى خيمتها، قال لها الجنود انها ارتكبت خطأ فادحا. فقد ذبح لها الشيخ شاة تكريما لها، وكان يتم طبخها وإعدادها. وان المغادرة قبل تقديم الطعام يعتبر إساءة. كما انه كان عليها تقديم هدية للشيخ عند زيارته. وبما انه شيخ فيجب أن تكون الهدية قيمة إما حصانا وإما بندقية. وقد أزعجها هذا الأمر وأخذت مسدسا من أفراد الطاقم المصاحب لها ولفته في منديل وأرسلته إلى الشيخ محمد مع رسالة تقول إنها لم تكن تعرف ان هنالك وليمة أقيمت لتكريمها. وعاد الجندي وهو يحمل دعوة لها من الشيخ بالعودة للانضمام إليهم.

وقد عادت إلى دمشق بعد ان أصبحت رحالة صحراوية ذات خبرة وتجربة. وأقامت بعدها في القدس لدى أسرة روزين، حيث قامت بالمزيد من الرحلات الاستكشافية قبل عودتها إلى إنكلترا.

في حيفا

بعد عامين من مغامراتها الأولى، ذهبت غيرترود إلى حيفا حيث أمضت شهرين اجتهدت فيهما في تحسين لغتها العربية. وقد مضت تسع سنوات منذ بداية تعلمها للعربية. وأجرت مسكنا في جبل الكرمل فيه غرف عديدة وحديقة فيها زهور برية وياسمين. وكانت تراجع دروسها في غرفة الطعام لمدة أربع ساعات في اليوم وساعتين ونصف الساعة في تعلم اللغة الفارسية، كما كانت تمارس رياضة ركوب الخيل في التجول في المناطق الريفية في ساعات فراغها.. وقد بدأت تخلق حولها حلقة من المعارف الذين تتبادل معهم الحديث حول الأحوال السياسية المعاصرة.

وحال اتقانها الحديث بالعربية بسهولة شرعت في القيام بأول خمس رحلات استكشافية غير عادية في منطقة الشرق الأوسط، أي رحلتها لأربعة أشهر على ظهر حصان في عام 1905 التي بدأت من القدس إلى جبل الدروز وانتقلت بعدها إلى الصحراء السورية ثم إلى دمشق فشمالا إلى حلب.

ثم عبرت إلى تركيا عن طريق انطاكيا عبر الأناضول فالقسطنطينية، حيث قطعت مئات قليلة من الأميال بالقطار. وفي عام 1907 وصلت إلى سميرنا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط في تركيا، وتنقلت على صهوة حصان مرة أخرى من موقع أثري إلى آخر. وكانت تتنقل ببطء في اتجاه الشرق حتى بلغت بنبيركليس حيث عملت مع برفيسور رامزي، وبعدها سافرت بالقطار إلى الوطن عبر القسطنطينية.

الرحلة الأطول

في فبراير من عام 1909 بدأت بيل أطول رحلة تقوم بها وكانت إلى حلب قاطعة طريق الصحراء الشمالية إلى نهر الفرات في شمال غرب العراق الحالي، وتابعته حتى وصلت إلى بغداد. وفي الصحراء الغربية التقطت صورا لقصر الخضير الفخم وقاست أبعاده. وذهبت بعدها إلى مواقع بابل الأثرية قبل وصولها إلى نهر دجلة. وتابعت السير على ضفاف هذا النهر باتجاه الشمال عابرة الجبال الغربية، وعبر الحدود التركية إلى منبعه في أعلى هضبة طور عابدين. وبلغت ماردين بعد خمسة شهور من التنقل فوق صهوة الحصان حيث اتجهت مرة أخرى إلى القسطنطينية.

وفي فبراير عام 1911 توجهت إلى دمشق في ظروف جوية سيئة. واقامت في البداية مخيما في منطقة تغطيها طبقة كثيفة من الثلوج، وعانت من انزلاق الجمال وسقوطها فوق طبقة الارض المتجمدة. وعبرت الصحراء السورية غير المأهولة باتجاه الجنوب، وزارت النجف وتوجهت بعدها نحو الشمال مرة اخرى حيث استقرت لفترة في بغداد. وتابعت بعدها السير على طول ضفاف نهر دجلة، حيث توغلت في جنوب تركيا، وزارت طور عابدين مرة اخرى. وعادت الى حلب في سوريا في مايو حيث غادرت الى الوطن عبر بيروت.

وفي بداية نوفمبر عام 1913 قامت غيرترود برحلة كبرى على ظهر الجمل حيث عبرت الصحراء العربية مرات عدة وبقافلة كبيرة مجهزة بالخدم والطواقم ومجموعة من الحيوانات. وقطعت منطقة نجد حيث بلغت مدينة حائل. وانطلقت بعدها باتجاه بغداد لقضاء فترة قصيرة من الراحة قبل ان تتوغل في الصحراء مرة اخرى. وبعد عبور الصحراء السورية للمرة الثانية، وصلت دمشق في اواخر مايو ومنها عادت الى الوطن للاستشفاء وذلك قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى.

ركزت جميع رحلاتها تلك على زيارة المواقع الأثرية في مناطق لم تكن تظهر في الخرائط القديمة. وكانت تدرك تماما انها تفتقر الى التأهيل اللازم لمن يعمل في مجال الآثار. وقد كانت رحلاتها فرصة لتعلم مهارات عملية جديدة وانها اثناء مرورها عبر اراض لا تظهر على الخرائط القديمة كانت تجدد مواقع الآثار، وترسم الخرائط، وتسجل أوصافها. وكانت قد حضرت دروسا لتتعلم كيفية قياس ورسم ما كانت تعثر عليه من آثار. كما تحولت الى مصورة ذات مهارة وعضوا في جمعية التصوير الملكية. وبهذه الصفة تمكنت من طباعة صورها بأسلوب مهني وكانت تحمل كاميرتين للتصوير أينما ذهبت. احداهما عادية والاخرى للقطات الواسعة البانورامية، وتحتفظ كلية الدراسات التاريخية في جامعة نيوكاسل بسبعة آلاف صورة من صورها. كما ان مفكراتها التوثيقية للمباني القديمة والكنائس تحمل مظهر تلك المباني كما شهدتها عند تصويرها وقبل ان تعتريها آثار التآكل قبل القرن العشرين.

تمت قراءته 5015 مرات آخر تعديل على الأربعاء, 08 نيسان/أبريل 2015 01:40
السويداء اليوم

فريق العمل في موقع السويداء اليوم

الموقع : www.swaidatoday.com