طباعة هذه الصفحة
الإثنين, 29 تموز/يوليو 2013 22:44

وقائع مقتبسة عن الثورة السورية الكبرى.

كتبه 
قييم هذا الموضوع
(2 أصوات)

إن هدفي من هذا المقال المقتبس عن وقائع الثورة السورية الكبرى بقيادة المجاهد سلطان باشا الأطرش هو البز والوفاء لأولئك المجاهدين والشهداء الأبرار الذين صنعوا لنا بدمائهم مجد الاستقلال والاحتفال بالعيد المقدس عيد الجلاء الواقع في السابع عشر من شهر نيسان من عام 1946م

ولما لا يتسع لي مجال في هذا المقال سوى المرور العابر على بعض معارك وبطولات أسلافنا في عام 1925م فحسب ومؤجلاً البحث والتطرق إلى المعارك التي وقعت في عام 1926 وعام 1927 و1928م إلى فيما بعد وكلما سنحت لي الفرص في نشر المزيد إلا أنني وضعت نصب عيني إدلاء الضوء الساطع على القوات الفرنسية التي اشتبك معها الثوار في سائر المعارك وإعطاء البيان عن مفرداتها العسكرية من فرق وأولوية وكتائب وسرايا كما حرصت بنفس الوقت على بيان تنوع هذه القوات وما كان لديها من فرق الخيالة والمشاة والمصفحات والمدرعات والمدفعية والمعدات الثقيلة ومن مؤن وذخائر مع أسماء المواقع وتاريخ وقوعها وأسماء القادة لتلك المعارك من الضباط ومختلف الرتب الذين حاربهم آباؤنا وأجدادنا بالبندقية المهترئة وبالسيوف والسواعد والإيمان وحسبي بذلك أنني قد أتيت بالجديد في تقديم العرض المفصل للجيش الفرنسي الذي اشتبك معه الثوار عندما لم يتطرق إلى ذلك الكثير من المؤرخين الذين كتبوا عن الثورة السورية الكبرى ومجدها الذي لا يمحى

وأول ما نبدأ به

معركة الكفر

في 20/تموز1925خرج الكابتين (نورمان) من السويداء ومعه أربعمائة وستة وستون جندياً وستة ضباط وهم: الكابتين (نورمان) الليوتنان (هلم غيزون) الكابتين (ماي) والليوتنان (كاريكار) مع مائة وأربعة وخمسون خيالأ صباحياً والطبيب أركان حرب (مورنية) وضابط مترجم من دمشق يدعى جوزيف الصايغ

في صباح ذلك اليوم أقام الكابتين نورمان قواته على مقربة من قرية الكفر وبعد الظهر عاد ونقلها إلى بأقل من نصف ساعة

لم يسلم من عساكر الكابتين نورمان سوى السرجان كابيو لا دي سي مع خمسة عساكر انسلوا من الطريق الشمالي الشرقي  المؤدي إلى السويداء المرتفع الذي وقعت فيه المعركة

عند الساعة الثانية والدقيقة الثلاثين من اليوم التالي الواقع في 21 تموز انقض سلطان الأطرش ومعه مئتا فارس وثلاثة مائة من المشاة على قوات نورمان المتحصنة بالوعر وأحاطوا بها من الخلف في هجوم خاطف سريع واشتبكوا مع الجند الفرنسيين بالسلاح الأبيض وأوقعوا به هزيمة مريعة

أما الكابتين (نورمان) والليوتنان (هلم غيزون) الكابتين (ماي) والليوتنان (كاريكار) مع عدد لا يحصى من العساكر فقد ارتموا في هوة ولحق بهم الثوار وأجهزوا عليهم جميعاً

حملة الجنرال ميشو 30 تموز إلى 3 آب 1925

لم يتفق المؤرخون على عدد أفراد هذه الحملة  منهم من قال ثمانية آلاف عسكري وبينهم من ذكر أن تعدادها قد بلغ اثني عشر ألفاً بينما سكتت وزارة الدفاع الفرنسية عن بيان عدد جنود  هذه الحملة

وجاء في المصادر التاريخية إنه كان من ضمن هذه الحملة الكبيرة لواء من المشاة بقيادة الجنرال (لونية) وكتيبة القائد (غابل) التابعة لفيلق الرماة الإفريقيين الحادي والعشرين وكتيبة سنغالية يبلغ عددها سبعمائة جندي وكتيبة أخرى بقيادة اكولونيل (لوغاي) وكتبة ثانية تابعة تابعة لفيلق الرماة الأفريقيين بقيادة الكابتين (غراردي) مع مفرزة من السيارات الحاملة للجنود وكتيبة من المصفحات بقيادة الليوتنان (غاسة) جميع هذه القوات التي مر ذكرها انطلقت نحو قرية بصر الحرير وما أن وصلت إليها وقبل أن تأخذ مواقعها قامت عصابات الثوار بقيادة المجاهد الشهيد حمد البربور بتطويقها واستمر قتال العصابات معها طوال الليل وكان القتال شديد الوطأة إلى أن شحت ذخيرة المجاهدين

ولما انبثق الفجر ازدادت هجمات الثوار احتداماً علهم يصلون إلى مرابض العساكر الفرنسية ويتمتعوا بذخائرهم وسلاحهم بعد أن ألم بهم الظمأ للماء ولكن وصول كتيبة الرشاشات إلى أرض المعركة بقيادة الليوتنان(سكالدي) حالت دون تقدمهم واضطروا إلى تغيير خطتهم فتحصنوا في المنطقة الواقعة حول تل الخروف وصعد عدد من المقاتلين إلى قمته وبينهم حمد البربور وأطلقوا نيرانهم على قوات الليوتنان(سكالدي) وأردوه قتيلا وفي نفس الوقت نحو تل الخروف فيلق الرماة الأفريقيين وأطلقوا نيران المدافع من عيار (37)على التل الذي يتحصن به المجاهد حمد البربور والذين معه من المجاهدين فقتل بشظية من شظايا القنابل التي أطلقتها المدافع وقتل معه عدد من المقاتلين من رجال بني معروف ولم يسلم من بينهم سوى الأمير حسن الأطرش الذي استطاع الارتماء في حفرة محاطة بالصخور الصلدة وكان عمره وقتئذ خمسة عشر عاماً   وفي تمام الساعة الحادية عشرة من ذاك النهار رأى المجاهدون أن أفضل وسيلة للدفاع وضرب تلك القوات الهائلة هو الاشتباك معها بالسلاح الأبيض قبل أن تنتشر قذائفها المميتة..فاستلوا سيوفهم من أغمادها وشنوا هجومهم الصاعق لعله يحقق لهم الانتصار على تلك القوات الضاربة في مرابضها عن طريق الالتحام معها والاقتتال بالسلاح الأبيض

ولكن نيران الرشاشات الغزيرة والتي صوبها عليهم الرماة الأفارقة قبل الوصول إليهم بقليل أردت الكثير منهم قتلى فاضطروا إلى الالتواء والتراجع ليتخلصوا من فتكها بهم إلا أن المصفحات ذات الدواليب السريعة لحقت بهم ترمي نيرانها من خلفهم ولاح في الأفق أن المعركة قد بدأ حسمها لصالح قوات الجنرال (ميشو)

إلا أن الثوار الرابضين في كمائن متعددة بالقرب من الطريق الذي تعبره المصفحات سددوا رصاصهم إلى داخل تلك المصفحات وقتلوا قائدها الصول يوتنان (أرنولد) ودمروا مصفحتين اثنتين وقتلوا سائقيها (لوغد) و(لوران) والعساكر الذين في هاتين المصفحتين وتوقف زحف المصفحات باتجاه الثوار قبل أن تصل إلى قرية الدور

لم تنشر وزارة الدفاع الفرنسية التقارير التي وصلت إليها عن معارك اليوم الثاني والثالث من آب حتى يمكننا تناول ما جاء فيها إلا أنها اكتفت بالإشارة في التبجيل وإشهار الإعلان عن السرجان (كازنوفا) التابع للواء الرشاشات الثاني والأربعين حيث قالت عنه في معارك الثاني من شهر آب أظهر بسالة تستوقف الإعجاب..لقد حجرح في ساقه وتولى الكبيتان (بريمو) والأدجودان (هورس) تضميد جراحه. لكنه ما لبث أن ذلك العسكري المجرم انتصب متثاقلاً قائلاً لهما: (للمرة السابعة أجرح في المعارك الحربية من أجل فرنسا..إلى اللقاء أيها الأصحاب)   

وما أن ابتعد عنهما عدة خطوات حتى صعقته رصاصة من بندقية ثائر من بني معروف أصابته في جبينه فهوى!

معركة المزرعة يوم 3 أب 1925  

في اليوم الثاني من أب تساقط الفرسان الدروز كورق الشجر وملأت جثثهم السهل والجبل تلاحقهم الطائرات بقنابلها ورصاص الرشاشات ومن ينجو منهم تتعقبه قذائف المدفعية إلى مداها البعيد فاندفعوا مرتدين إلى قرى سليم وعتيل وقنوات وغيرها مع سلاحهم القديم البالي فوق أكتافهم

كانت شمس ذلك اليوم قد أوشكت على الغروب وقبل الغسق وحلول الظلام حسب الجنرال ميشو بعقله العسكري وهو القائد الفذ الذي اشتهر في الحرب العالمية الأولى: لقد رأى الضربات القاتلة التي وجهها للمجاهدين في ذلك اليوم التاريخي قد فتحت له أبواب النصر النهائي على عدوه الجلف بعد أن بات على مسافة عشرة كيلومترات من مدينة السويداء وعاصمة الدروز لذلك أصدر الأوامر لقواته الجرارة بالمبيت حول عين المزرعة للاستفادة من مياهه التي يمكن أن تشبع ظمأ عساكره والخيل والبغال التي ترافق حملته

لم يخطر ببال الجنرال ميشو قدرة المقاتلين الدرةز على التجمع بسرعة مذهلة وعلى شن هجوم خاطف سريع على قواته

وفي الحقيقة أنه لم يدرك تلك الخصوصية التي اكتسبها بنو معروف من أجدادهم في حروبهم القديمة مع جيوش السلطة العثمانية وجيوش إبراهيم باشا المصري أثناء حربهم معه في عام 1937-1938م والتي انتقلت من أجدادهم إليهم جيلاً إثر جيل

لقد رفض الجنرال ميشو الجرار في تلك الليلة الحالكة حول عين المزرعة وانتشرت عساكره من جميع الجهات في السهل المحاذي للنبع وافترشته بشكل عشوائي من غير أن يساوره الشك في احتمال قيام أي هجوم من شلايا اسود بني معروف وتفترس عساكره خلال ساعات من الزمن

ومن المعلوم بحسب روايات الذين خاضوا معركة المزرعة قد جاء عنهم: أنهم قبل الفجر بدقائق أطلت عليهم عصابة لا يقل تعدادها عن المائتي مجاهد من السويداء بقيادة سالم ونايف الأطرش مع عصابات أتت من القرى الشمالية وتجمعت في قرية مردك وسارت نحو تجمع قوات الجيش الفرنسي في المزرعة بقيادة الشيخ كنج عامر وزيد عامر من قرية البثينة وبعد مرور أقل من ساعة كان رجال البطل سليمان العقباني وقرية السجن في خضم المعركة مع عصابة البطل الشهيد فضل الله هنيدي من قرية المجدل التي دخلت أتون المعركة

إلا أنه ظل الفعل الأقوى الذي حسم تلك المعركة الظافرة وكان لها مرتبة الشرف في هزيمة الجيش الفرنسي وتشتته يعود إلى أل نصر سكان قرية نجران وسميع الذين احتلوا مستودعات الذخيرة وإسطبلات الخيول والبغال وكافة المعدات الضرورية لصمود الجيش الفرنسي في القتال من الناحية الإستراتيجية والدعم اللوجستي الذي يتوجب أن يتوفر لها لكي تعينها على الصمود

لذلك – أصدر الأوامر لجيشه بالانسحاب الكيفي وغير المنظم هائماً وهاشلاً على وجهه نحو المجهول الذي يختفي من وراء تعقبه وقتله

وصفوة القول:

لقد بلغت خسائر بني معروف في هذه المعركة أكثر من مئتي شهيد وخسر عدوهم الفرنسي أكثر من أربعة آلاف قتيل

ومن أبطال المجاهدين التي كانت سيوفهم تقطع العسكري الفرنسي إلى شطرين البطل سليمان العقباني الذي سقط شهيداً وحوله عدد غفير من قتلى سيفه الصارم

لقد كانت خسائر الجيش الفرنسي في هذه المعركة بمقدار ما بقيت جثث قتلاه مدة شهرين ونيف تزكم الأنوف من مسافات بعيدة جميعهم قضوا نحبهم بالأسلحة البدائية وبالسيوف ناهيك عن استيلاء المجاهدين على المدرعات والمدافع والرشاشات

وللأسف أنهم حطموها وأحرقوها في ساحة المعركة لتشهد على شجاعتهم وبطولاتهم فقط ومما لابد من قوله أن الضربة التي أنزلها المجاهدون بالحملة الفرنسية في معركة المزرعة وحدها كانت كافية منذ زمن وقوعها لتحرير سورية والقضاء على الانتداب الفرنسي الذي احتل سورية في عام 1920على أثر معركة ميسلون لو كانت الثورة عامة في جميع أرجاء سورية

ولكن الدروز المنتصرون كانت تتملكهم نشوة النصر والأمل بتحرير البلاد من ربقة الانتداب الفرنسي وقد تحقق فعلهم وشهقت آمالهم عندما امتدت ثورتهم إلى دمشق وغوطتها وإلى كل مدينة وشارع وقرية من سورية البطلة إلى أن ولى الاحتلال وذهب الانتداب الفرنسي في يوم عيد الجلاء موعده اليسابع عشر من نيسان 1946م عيد مجيد على الشعب االسوري والسلام على الجهاد والمجاهدين والمؤمنين والخلود لأمتنا العربية المجيدة

السويداء في 17/4/2013

 

تمت قراءته 5437 مرات آخر تعديل على الإثنين, 29 تموز/يوليو 2013 23:33