طباعة هذه الصفحة
الثلاثاء, 06 آب/أغسطس 2013 22:14

فريد الأطرش والعالمية..

كتبه 
قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

 

منذ استمعت إلى غناء وعزف أمي، وأنا أسبح في هذا البحر الكبير كقطرة.

ربما لم يستطع أحد من الموسيقيين المعاصرين أن يدرس فريد الأطرش من زاويا النقد بشكل موضوعي بل اجتاح تفكير بعضهم لحصره في خانة الأغنية الشعبية أو الخفيفة أو في ما يسمى بالموسيقار من الدرجة الثانية استناداً لأقوال من كان يزاحمهم على الصف الأولى، وانعكاساً لذلك شددوا على تكريس مفهوم أنه سيد الطبقة الثانية، على العكس بأنه كان من العمالقة ومن الطبقة الأولى شاء من شاء ورضي من رضي، لأنه كون لنفسه تاريخاً موسيقياً وأعمالاً موسيقية فرضها على وسطه وعلى الوسط الغربي الأمر الذي جعل بعض من الغرب يقتبس منه، كما فعل ذلك المغني العالمي/أنريكو ما سياس/ حين بدأ يطعم ألحانه بالإيقاعات الشرقية واقتبس معظمها من فريد الأطرش وقدمها إلى الأوربيين بعد أن وزعها بطريقة أوركسترالية وشجع على تقديمها الموزع الموسيقي الشهير/فرانك بورسيل/ وهي(حبيب العمر، ونجوم الليل، وموسيقى ليلى، وزمردة )، وبعد/أنريكو ما سياس وفرانك بورسيل/ أطلت /مايا كازابيانكا/ وأصدرت كتاباً عن علاقتها بفريد وغنت له بالفرنسية (يا جميل يا جميل) وطعمت غناءها بالكلمات العربية، وقد علق فريد على هذه النجاحات بقوله: /ما حدث لي هو انتصار للموسيقى الشرقية على وجه العموم، فإن من أمنياتي أن تتطور الموسيقى الشرقية إلى العالمية، وهي لن تستطيع هذا التطور إلا إذا حافظت على قواعدها الأصلية وأصالتها العريقة.ولذا فإننا إذا أردنا لموسيقانا أن تتجاوز الحدود فلابد أن نذهب بها إلى الشعوب وفيها روح الشرق وعبير الشرق. ولهذا فأنا ضد الاقتباس. وأعترف أنني شغفت أكثر من مرة في حياتي واقتبست. ثم تبت إلى الله حتى لا أسهم في عملية قتل موسيقانا العربية الشرقية الأصيلة./

إبداع فريد لم يتوقف عند حدود أوربا الغربية بل تعداها إلى روسيا من وراء أغنية (يا زهرة في خيالي) التي غناها مغنٍ روسي ثم (وياك..وياك) التي تم توزيعها وغناؤها في تركيا قبل أن تلحق بها ( زنوبة..ويا جميل) التي غنتها المطربة الفرنسية داليدا. وتغنى في تركيا وألمانيا وانجلترا وفرنسا، ودخل العالمية وعمل على تطوير الموسيقا العربية من خلال الموسيقا العربية نفسها وطرح ثقافة جديدة في استخدام الإيقاعات الغربية "كالتانغو ورومبا وفالس وغيرهم".

 الموسيقار الخالد "فريد الأطرش" يشبه الموسيقي النمساوي "فرانس شوبير" في نمط وطريقة تلحينه، وقد استطاع ان يكون متميزاً في كل ما قدمه من ألحان فيعتبر رائداً في القصيدة وأول قصيدة قدمها كانت "ختم الصبر بعدنا بالتلاقي"، وفي المونولوج كان "فريد" من أهم ملحنيه وأول مونولوجاته «رجعت لك يا حبيبي 1941».

والحديث عن الموسيقار "فريد الأطرش" يثير الشجون، فقد لعبت المعاناة دوراً كبيراً في حياته، والقدر حطم كثيراً من طموحاته، فهو الفنان الجامع المانع الذي عرفتُه منذ منتصف الثلاثينات من القرن الماضي، وهو العازف المتميز على العود، والشاعر في المونولوج، والرائع في القصيدة، واللاعب الماهر في الأوبريت وقد قال فيه الناقد والموسيقي "مدحت عاصم": «لقد استطاع أن يجمع حلاوة وقدرة رياض السنباطي، ومحمد القصبجي، وفريد غصن في ريشة واحدة»، فقد كان "فريد غصن" أولَ معلم "لفريد الأطرش"، ومن بعده الموسيقار "محمد القصبجي"، ثمّ الموسيقار "رياض السنباطي"، وهو بالرغم من تتلمذه على أيدي العمالقة، إلا أنّه استطاع أن يكون شخصيته المتميزة والمتفردة التي لم يسبقه إليها أحد، فهو على سبيل المثال في تقاسيمه الخاصة كان يرتجل بوقت أقصر بنصف المدة التي يستغرقها الكلاسيكيين وهي 15 دقيقة، أما فريد الأطرش فكان ينجز تقاسيمه وانتقالاته خلال 7 إلى 8 دقائق فخياله الموسيقي الخصب كان يوحي بمعالجة الفكرة واختيار المقام واختزال الأدوار الثلاثة ليعود إلى المقام الأساسي..

وعن بناء شخصية "فريد الأطرش" خدد الباحث "صميم الشريف" عدة عوامل ساهمت بتكوين الشخصية الفنية المميزة "لفريد الأطرش" منها الوراثة فقد كان والده الأمير "فهد الأطرش" ذو صوت جميل، كما أنّ والدته الأميرة "علياء المنذر" كانت تتمتع كذلك بصوت جميل، وساعدت البيئة التي نشأ فيها على تكوين شخصيته أيضاً فأخوه "فؤاد" أيضاً يملك صوتاً جميلاً وكان يلتقي في منزلهم في "القاهرة" أهم ملحني تلك الفترة من أمثال "فريد غصن ومحمد القصبجي وداوود حسن"، وهذا يدل على سبب اشتغال "فريد" مبكراً في إذاعة "شقال" الخاصة "بالقاهرة" فعمل فيها عازفاً ومن ثم مغنياً نظراً لجمال ما كان يؤديه.

مضيفاً: بدأ مشواره في أواخر الثلاثينات بمجموعة من الأغاني التي لحنها بنفسه، ثم "يا ريتني طير" "ليحيى اللبابيدي" ليتمّ اللقاء بينه وبين الملحن "مدحت عاصم" الذي قدم له "كرهت حبك" و"من يوم ما حب فؤادي"، وتعتبر هذه الألحان الثلاثة هي الوحيدة التي غناها "فريد الأطرش" من ألحان غيره، وهو الذي كان غزير الألحان ويعتبر من رواد الطقطوقة والمونولوج اللذان قدمهما بغزارة في بداية مشواره، وهو أول من أدخل "التانغو الإسباني" إلى الطقطوقة الشعبية التي عمل على تطويرها متتبعاً في هذا أسلوب "محمد القصبجي"، ويعتبر معه من أهم من طور هذا الأسلوب الذي ابتدعه "سيد درويش" ومن ألحان الطقطوقة التي قدمها "احلفيلي" و"بحب من غير أمل" ونويت أداري آلامي".

أما على صعيد أغنيته الشعبية فقد وّحد "فريد الأطرش"  الثقافة الشعبية الموسيقية من خلال ما قدمه من مزج بين الموال السوري والأغنية الشعبية المصرية كما في ألحان "بساط الريح" و"جبر الخواطر" و"يا ديرتي" و"أحبابنا يا عيني".

أما على صعيد القصائد فقد قدم ما بين عامي 1934–1940 مجموعة من الأغاني والقصائد من بينها/ ختم الصبر بعدنا بالتلاقي(حسين شفيق المصري/ راست/) ثم يا نسمة تسري (يوسف بدروس/بيات) ولم تأخذ منه القصيدة حيزاً كبيراً  كما الأوبريت والمونولوغ والأغاني الشعبية، فاتهم بالتقصير في مرحلة من حياته الفنية، حتى تجرأ البعض ليقول بأنه غير قادر على تلحين القصائد، فأنكب فريد على تلحين قصائد الأخطل الصغير وغيره من الشعراء بطريقة الملحن المحترف بعد أن توقف قلبه في أحد المشافي البريطانية لعشرة دقائق حيث نصحه الأطباء بترك الغناء والحفلات لأن وضعه الصحي لا يسمح بذلك، وعاد في قلبٍ ضعيف جداً ليقدم لجمهوره ومحبيه الأغاني العاطفة والطربية والوطنية والشعبية، وعلى الرغم مما كان عليه فقد لحن/عش أنت -أظنيتني بالهجر -لا وعينيكي -ووردة من دمنا وغيرها/

وبين الكاتب "عبد العزيز الجوادي" في كتابه "فريد الأطرش" قوله /أي قول فريد الأطرش/:أن الحقيقةَ الأولى التي أحزنتني بالفعل هو هذا الواقع الذي صرنا إليه دفعةً واحدةً، كما أن الصدمة التي هزتني هي مشهدُ والدتي وهي تكد على شغل الإبرة إكراماً لبعض العيش.

وهو يقول: إذا غنيت فإن الكلمة حزينة، وإذا لحنت فإن النغم أكثر حزناً، وكأن الأغنية كلمة وموسيقى الجسر الوحيد للتعبير عن هذا الحزن.

فهل نستطيع القول أن فريد الأطرش كان يجسد معاناته ومعاناة أسرته ؟

أم أنه أراد أن يصلَ بصوتهِ إلى القلوب ويعبرَ السماء، بأسلوبه في الغناء الحزين؟.

هذا ما يؤكد أسلوبه في الغناء حين غنى/يا نسمة تسري وغيرها/على نمطه المعتاد، وأن السبب الحقيقي لطريقته في الغناء لا كما ذهب بعض الباحثين بأن وفاة "اسمهان" وفشل حبه لأكثر من مرة وغيرها دون العودة المعاناة التي عصفت منها بأسرة هذا الموسيقار الكبير.

يقول "فريد الأطرش": في لحظةٍ خُيّل لي أن الدنيا انتهت، في لحظة ثانية بدت وكأنها تشرق من جديد، هل هي ابتسامة الأم وما تفعله في نفس وليدها ؟.

ويقول أيضاً: إنني منذ استمعت إلى غناء وعزف أمي، وأنا أسبح في هذا البحر الكبير كقطرة.

 

 


X

تمت قراءته 1591 مرات آخر تعديل على الأربعاء, 07 آب/أغسطس 2013 20:24