طباعة هذه الصفحة
الإثنين, 14 تشرين2/نوفمبر 2016 21:58

هواجس في الثقافة

كتبه 
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

ما من كاتب في العالم، الذي نعيش فيه الآن، أسوأ حظاً من الكاتب العربي، ليس لأنه يكتب باللغة العربية. إنما لأنه يعيش حياة موجّهة في كل شيء. ضد ما هو ثقافي أو يرتبط بالثقافة.

فطوال عقود من الزمن، ظل الكتاب العرب يعتقدون أن جوهر الصراع الثقافي يتركز حول القديم والجديد. حول العلاقة بين التراث والمعاصرة. حول الشعر التقليدي والشعر الطليعي. في حين أن الشروط الأولية لظهور ثقافة عربية حقيقية -  وهي شروط الحياة نفسها – كانت ولاتزال غائبة. ويبدو أنها سوف تظل غائبة أيضاً فترة طويلة من الزمن.

وما دامت شروط النمو الثقافي داخل المجتمعات العربية غير متبلورة فأن الكتابة نفسها تصبح مغامرة فردية. نمطاً من الشهادة المجانية، وليس عملية اجتماعية تغييرية مؤثرة. ثمة من يشير إلى أن الأمّية مسؤولة عن هذا التخلف الثقافي وهو أمر صحيح، ولكن جزئيا فقط؛ فمع كل الأمية التي لا تزال سائدة في المجتمعات العربية – والتي تشكل عالم حقيقياً أمام عالم الأنترنت المخيف هذا – فإن ثمة ما يزيد عن المئة مليون من العرب، القادرين على القراءة والكتابة، وهذا يعني في ظل شروط طبيعية لتطور الثقافة، يمكن للكاتب ان يبيع 10 آلاف نسخة من كتابه في أسوأ الأحوال لكن واقع الحال مغاير تماماً لافتراضنا هذا. وفي أحسن الأحوال يطبع من الكتاب الجيد في الوطن العربي من 2000 إلى 5000 نسخة. لا يباع منها سوى عشرات أو مئات والباقي يكدس في المستودعات إلى ما شاء الله.

مأزق آخر... هو مأزق الكتابة العربية، وهو ليس مأزقاً في اللغة أو في موهبة كتّابها او شعرائها. وإنما هو وقبل كل شيء مأزق الشرط الثقافي المفقود الذي تتحمل مسؤوليته الأنظمة العربية، والذي خلقته وتخلقه لنفسها كل يوم.

فعلى عكس بلدان كثيرة في العالم، ومثل كل شيء آخر في بلداننا العربية.. لا تكاد توجد فرصة لثقافة خارج السلطة الكلية للدولة على المجتمع. فهي تملك النشر. والتمويل حتى خارج حدودها، وتنشأ أجهزة رقابة مدربة على شمّ الروائح من بعيد، وفي بعض الأقطار العربية توجد مؤسسات دينية تفرض رقابة إلهية بالإضافة إلى الرقابة البشرية.

وفي الوقت الذي لا يكف العرب فيه الحديث عن كونهم أمة واحدة، فأنهم يعاملون الكتاب مثل أية بضاعة أخرى خاضعة للقوانين الجمركية والرقابة الصارمة، كما يحدث لمعارض الكتاب في العواصم العربية في كل عام، وكما يتم الآن حجب مواقع الانترنت، ومراقبتها والتحكم بها من قبل أجهزة الرقابة والأمن... حسبما تتطلبه الظروف. ويتم ذلك بسهولة.

إن الكاتب الجيد لا يهبط من السماء، ولا يُخلق من العدم. فلكي يتحقق الشرط الأول للكتابة ينبغي أن تكون الكلمة قيمة اجتماعية. أي أن تصل وتؤثر في الناس الذين تتوجه إليهم. وقادرة على تغيير مواقفهم. لكن هذه المعادلة بين الكاتب والقارئ لا يمكن أن تتحقق وتعطي ثمارها دون حرية الكاتب والقارئ معاً.

إن كاتباً ليس حراً في أن يكتب بحرية، يسيء إلى رسالته أكثر من كاتب يلجأ إلى الصمت ويعتصم بسلامه الداخلي في زمن هيمنة القمع والإبادة، كما أن قارئاً لا يملك حرية أن يقرأ ما يشاء، ينمسخ هو الآخر روحياً وثقافياً. وينسى مع الزمن أن للكتابة موقفاً من الحياة، يستمد قوته من القدرة على الرؤية الخاصة التي تقيم صرحاً من الجدل والحوار، وإنتاج معرفة خلاقة جديرة بالحياة.. عبر مناخ من الديمقراطية وحرية التعبير.

الكتابة العربية لا تدرّ ربحاً  ولا توفر للكاتب مصدراً للعيش. مثلما في أي ثقافة حيّة في عصرنا. وهنا.. يكمن سر اللعبة كلها: إن الكاتب العربي مرغم مثل أي إنسان آخر على أن يعيش وأن يعيل أطفاله أيضاً. وهذا يعني أن عليه القيام بعمل ما – غير الكتابة – يوفر له المال الضروري ليعيش، ولكتب أيضاً وغالباُ ما يختار الكتّاب مهنة أقرب إلى عملهم وهي الصحافة. وهذا الاختلاط بين مهنتين مختلفتين لم يضر الأدب وحده، وإنما الصحافة أيضاً. فالكاتب الذي يمتهن الصحافة، غالباً لا يكون مؤهلاً للعمل في هذا المجال.

صحيح أن الصحافة تقوم على الكتابة أيضاً، ولكنها كتابة مختلفة تتطلب مهارة اختصاصية ومعرفة بوظائف تختلف عن وظائف الأدب.

ولا تستغل الصحافة – أحياناً – اسم الكاتب فحسب، وإنما تقتل وقته أيضاً، لكن الأسوأ من ذلك هو أنه تفرض عليه ما تريد أن تقوله، فهي – أي الصحافة – لا تفتح صفحاتها أمام كاتب لا تقول الحقيقة، ما دام هدفها أن يكون طبلاً يطرب صوته النظام الذي يمولها.

لقد انحدرت الثقافة العربية منذ اللحظة التي فقدت فيها حريتها في انتقالها من المجتمع إلى السلطة، في حين أن الثقافة – بما فيها الصحافة – قضية تخص المجتمع كله، نرى أن مصيرها غالبا ما يتقرر خارج المجتمع، من خلال سيطرة السلطة على جميع الأجهزة المنتجة للثقافة. فالصحافة والإذاعة والتلفزيون ووسائل إعلامية أخرى تعتبر جزءاً من التركيبة السياسية للسلطة، ودوائر رسمية تابعة لها.

"دع الرجال خوالي البال.. مسطحي الرؤوس الذين ينامون الليل كله، دعهم يتحلقون حولي. أما "كاسيوس" هذا.. ذو النظرة الباردة الصارمة، الذي يفكر أكثر مما ينبغي، ويقرأ كثيراً، ولا يحب اللعب، وينفذ ببصره إلى غور أعماق النفس. فهو نمط من الرجال الخطيرين الذين لا يهدئون أبداً ".

هذا النمط من المثقفين الذين يفكرون أكثر مما ينبغي.. ذوي النظرة الباردة والصارمة في آن؛ القلقين دوماً.. الباحثين عن كل ما يجدد المجتمع ويوقظ روحه...، هؤلاء هم الذين يدركون أن الطريق إلى المستقبل المشرق  نحو الحرية والكرامة، والعدالة الإنسانية، لا يسلكه المثقف التابع.. المستلَب والمدجَّن. بل المثقف الذي يفكر ويكتب، يقول، ويفعل. يمتلك إرادته الحرة، بعيداً عن خبث الآخرين، وغرورهم الفارغ، يتوق دائماً إلى المعرفة،  ولا يستغرقه  الماضي إلى درجة العماء.. التي تحجب الراهن والمستقبل معاً. إذ لا توجد أمة تمتدح ماضيها بقدر ما يفعل العرب، كما لا توجد أمة تمتهن ماضيها بقدر ما يفعل العرب كأن شيئاً لم يتغير من الف عام.

إننا واقفون.. أو نراوح في أماكننا، والزمن يمر بنا.. ونحن نعيش على ذكريات النائمة في التاريخ.

إن كتابة حاضرة. تتشبُّه بكتابةٍ في العهد الأموي أو العباسي، لا يمكن إلا أن تقدم لنا ظاهرة هي أشبه ما تكون بالكارثة.

المشكلة لا تكمن في شكل الكتابة. وإنما في وعي الكتابة وقبل كل شيء، الوعي بالإنسان وموقعه الجديد في العالم، إن الاستغراق في الماضي تقليده أو جره قسراً إلى المعاصرة هو حالة مرضية تتنكر لكل المتغيرات التي شهدها العالم خلال ألف عام.

إن الزمن الذي يكون فيه الماضي قائماُ كحاضر لا يغترب فقط عن نفسه، وإنما يلغي الحاضر أيضاُ، ويحوله إلى شيء أشبه ما يكون بالمهزلة.

فالتقليدية او الاستغراق في الماضي – حيث التطابق القسري بين زمنين مختلفين بنيوياً – يسيء بشكل فاضح – مقصود أو غير مقصود – إلى العلاقة الروحية والتاريخية مع الجذور الثقافية والحضارية للأمة.

إذ أن كل كتابة فعلية تستمد قوتها من اللحظة المكانية الزمانية باعتبارها خطاباً موجهاً إلى كتلة بشرية راهنة وموضحة، خطاباً يرتبط بحركة الواقع عبر علائقه السياسية والاجتماعية القائمة على عكس الخطاب الذي ابتليت به الثقافة العربية – الموجه إلى الأموات النائمين في التاريخ، او الأشباح والأصنام التي تتجول خارج التاريخ.

هذه المهزلة التي ترتبط بالثقافة العربية – ثقافة الفراغ – التي برزت وتضخمت في العقود الخمسة الماضية. تثير الاشمئزاز وتبعث على القرف. لأنها زورت الثقافة العربية الحقة لصالح الأنظمة القائمة.

ومن أجل إغلاق كل الطرق على ثقافة قد تأتي من خارجها، تعمد إلى خلق أجهزة رقابة صارمة بمثابة شرطة فكرية، تمنع أيضاً دخول الكتب والصحف والمجلات التي لا تعتبرها صديقة أو موالية.

لا شيء تخافه الأنظمة العربية أكثر من الثقافة، فهي لا تصادر فقط حرية الثقافة من خلال مؤسساتها، وإنما تحتاج في معركتها الثقافية إلى "نجوم" - في الأدب، والفكر، والفن، والمجتمع – تخلقهم او تقوم بشرائهم إذا اقتضى الأمر. بل إنها تذهب إلى أبعد من ذلك: تستأجر نقاداً للحط من قيمة "كتّاب يمتلكون شجاعة قول الحقيقة".

إن أفضل كتابنا هم الكتاب الملعونون، المنسيون، المطاردون أو المهملون الذين تسعى الأنظمة إلى تحويلهم إلى حطام بألف طريقة وطريقة.

وفي المقابل برز عدد "من النجوم" سمتهم الصحافة المدجنة "أدباء كبار" و"شعراء كبار" في مناخ ثقافي ينعدم فيه شرط الحرية بين كاتب يخدم القمع ويسوغه، وكاتب يفضحه ويعاديه، ويراهن - أحياناُ - على حياته كلها من أجل أن يكون في مستوى الشرف الذي يرتبط بالكتابة.

إن كاتباً يصمت اتجاه القمع الذي يتعرض له المجتمع العربي، إنما يخون عمله، فالكتابة ليست مهنة محايدة، كما يدعي البعض في محاولة عزلها عن علائقها الاجتماعية والحياتية، ولم تكون كذلك إن هي فقدت شرطها الخاص بها، شرط الحرية، وهذا يعني أن تتحمل الكتابة مسؤوليتها في مواجهة الزمن الذي نعيش فيه؛ في تحرير الفكر العربي من الأوهام والأضاليل التاريخية التي ارتبطت به في الدفاع عن الكرامة الانسانية؛ في إنهاء سلطة القرون الوسطى محتقرة للوعي؛ في اعتبار الحرية جوهر كل إبداع ممكن.

إزاء ذلك تسعى السلطة الغاشمة إلى اكتساب المراوغين المسكونين بتزلف والنفاق، فتفرغهم من الرغبة في التفكير، ولا تسمح لهم بذلك إلا بعد استئذانها.

إن نموذج المثقف المفضل لدى السلطة – أية سلطة – يتحدد في نمط المثقف المتطابق، المندمج على نحو كامل، مع توجهاتها وبرامجها؛ مسخّراً قدراته وملكاته الفكرية والإبداعية في تأييد إيديولوجيتها، وتبرير تصرفاتها حتى في هزائمها الكبرى.

أما ذلك المثقف الهارب في صمته، فلا تشغل السلطة بالبحث عنه، ولا تنشغل به. ولن يضيرها ذهابه نحو العدمية والعبث؛ أو اختلاق معارك ثقافية في فضاءات خاوية عبر نصوص تؤسس لثقافة الفراغ.

 

بقلم: محمد رضوان

(محاضرة ألقيت في المركز الثقافي بالكفر- السويداء)

تمت قراءته 808 مرات آخر تعديل على الجمعة, 18 تشرين2/نوفمبر 2016 16:37
السويداء اليوم

فريق العمل في موقع السويداء اليوم

الموقع : www.swaidatoday.com