طباعة هذه الصفحة
الجمعة, 01 آب/أغسطس 2014 14:40

شراع الشاعر "متروك شهاب الدين" يصارع أمواج الأصالة والحداثة

كتبه 
قييم هذا الموضوع
(3 أصوات)

تمضي كلمات متروك شهاب الدين في دواوينه الثلاثة "الحصاد" و" لا سبد ولا لبد" و"سياط الغربة". في سياق شعري أصيل محاولاً السباحة من خلالها بموضوعات عصرية بدت ثقيلة على مد وجزر بحور الخليل، ما ألوى ذراع كثير من الأبيات بكلمات تارة مستخرجة من قاموس الجاهلية ومعلقاتها وتارة من صفحات اللغة الحاضرة، دون أن ينسى الولوج إلى شعر التفعيلة، ملاحقاً موضة كادت أن تنقرض تتمثل بالتماهي مع شعرائها الكبار، ليعود كلما استعاد حماسه "الجاهلي" إلى النحت في صخر أبي تمام أو الغرف من مفردات وتفاعيل أمرؤ القيس.

ديوان "الحصاد" كان أول ثمار الشاعر صدر في عام 2000، فيه يرخي العنان لـتأملات شخصه المُعارك في الحياة ولأرقه كمغترب فارق بلاده، ولتقاسيمه كعاشق متيم، و لمديحه و نواحه لأشخاص يعزهم، وغيرها من الموضوعات الدارجة في الشعر العربي التقليدي، فيظهر تألق القوافي وجزالة اللفظ كما في قصيدة (أضغاث أحلام) حيث يقول " هل في الحياة لراغب حبُّ ــ أم هل لنا من صلفها ودُّ ، تحنو علينا ثم تنثرنا ــ نثر المياه كأننا الزبدُ"، وفي قصيدة ( أرق) يقول " ألا ياليل قد طفقَ ــ خيالي يعشق الأرقا، بليل بتُّ أطويه ــ أصيل عانق الشفقا، وشكٍّ يحمل ضني ــ كريح تحمل الغدقا "

إلا أن أن الشاعر حينما يعرج على الموضوعات الوطنية والقومية يصب إسمنت تكلُّفه ومشقته اللفضية والبلاغية في تفعيلات يمكن الاستغناء عنها كما في قصيدة (أطفال النور)" النور في عينيك يا طفل الحجر ــ خض الخمول الصلد في وجه القدر" أو يحلّق على جناحي بحر من بحار الخليل كقصيدة ( بلاد النسور ) " سلاماً بلاد الضبى والنسور ــ عرين الأسود ومرعى الصقور، بلاد السنين الخوالي العجاف ــ ولحن التراث الأبي الغيور " بدون إضافة أي معنى شعري أو دلالة رمزية جديدة لهذا التحليق.

ما يدل على أن تداوله لما يدور خارج ذاته أشبه بالبروتوكول الشعري الذي ميّز عدد من شعراء المستوى الأوسط الذين لم تلمع أسمائهم خارج بيئتهم المحلية، على خلاف بعض ممن كتبوا نثراً برسم القصيدة لكن أسمائهم لمعت كشعراء لهم حضورهم وذلك لأن الحامل الذي اعتمدوا عليه ليس الشعر بل أجنحة قضية ما جرى تسويقها في لحظة معينة.

أما في حالة متروك شهاب الدين فقد نجح شعرياً حينما كتب لذاته وأخفق حين كتب لما حوله، ما يدل على أن تجربته المتواضعة تعد تغطية لحالته الخاصة وليس تغطية لقضية معينة، حيث يظهر ذلك قوياً في قصيدة (حكم الإله) التي عبرت عن حزنه لوفاة ابنه مبكراً، حيث يطفو عمق الحزن في سيل بلاغة تعيد تجديد روح الشعر رغم تكرار الموضوع منذ أقدم العصور" خطبٌ أصاب قلوبنا بسهامه ــ وتبدّل بعد الضياء مصيرُ، قطف القضاء من الحياة حشاشتي ــ غم علينا والزمان غدورُ.. يا زهرة ما كان أينع عطرها ــ وكذلك عمر الزهور قصير ، ما كاد يطفر للنجاح مفاخراً ــ حتى غدا بين النجوم يسير، رفع بيمناه الشهادة عالياً ــ والفرحة تعلو به وتطير ، إني وصحبي يا أبي في موعد ــ ومضى وفي مقل العيون فتور، ما كنت أعلم أنه في موعد ــ يلقى مصير الموت وهو غريرُ"

في ديوانيه الثاني (سياط الغربة) الصادر عام 2013 يعود الشاعر ليؤكد صراع شراعه الشعري المتواضع الصنع مع أمواج الأصالة والحداثة فنرى انسيابيته الشعرية في محاكاة الذات، وتكلف لفظي وكلامي في مواجهة موضوعات المحيط .. ففي النمط الأول يحاول الشاعر التحليق على أجنحة بحور الخليل متجاهلاً كسر بعض التفعيلات أو لجوؤه إلى سبر قاموس لغة المعلقات للخروج من المضايق اللفظية الخانقة مع ذلك ظل مواظباً على تقديم حالة حسية واصلة للقلب، كما في قصيدة (رأد الضحى) حيث يقول"شعّ الصبا ألقاً كالسحر حسناءُ ــ سمراء ناعمة الأهداب غيداءُ، غيدٌ مفاصلها كالشمع ناعمةٌ ــ يبدو على وجهها شمٌّ وغضراءُ، رق العفاف على أشفارها أدباً ــ في عين جؤذرةٍ (بنت المها) والقدُّ أدماء" وكذلك في قصيدة (ابتسامة زهرة) حيث مطلعها يقول " أخادع القلب بعد اللاء بالنعم ــ يسمو إلى دونها في صحوتي حلمي، لا غير أن الهوى  يمتاح من كبد ــ ظمأى بها غلةُ الصادي إلى الديم).

ليعود، في نمطه الثاني، إلى تكلّف واضح عند خوضه لشعر التفعيلة، مقلداً بِحرَفية متواضعة أسلوب الرباعيات وقفشات إيليا أبو ماضي أو جبران خليل جبران، بدون أن يسفر تقليده عن ثمرة معرفية جديدة أو حكمة مفيدة للقارئ كما في قصيدة( لحظة صفاء) حيث يقول " فوق قلبي حنين ، تحت جسمي رماد ، في عيوني أنين، قد كواني السهاد" هذا وصف لحال الشاعر فماذا يعني ذلك للقارئ؟

لاشك أن نتائج مقاربة هذين النمطين من القصائد يتكرر في هذا الديون، وكذلك في ديوانه المعرّف بـ (لا سبد ولا لبد) والذي صدر في عام 2013 أيضاً، حيث يبدأ الشاعر بقصيدة (بلادي) حيث يقول" يا بلادي لن تكوني غير بعثٍ ــ سوف نحيا في حماك آمنينا، لن تهوني يا بلادي أو تذلي ــ إننا أسدٌ لديك واثيبينا" حيث تسيطر قوالب الخليل على سيل الألفاظ فتعمي التجديد في الأسلوب، كما أن تعريج الشاعر على شعر التفعيلة، كما في قصيدة (جسد يتمزق)الذي يقول فيها" وطني أضحى يبابا، ونجوماً وسراباً، وبقايا ذكريات من حروف الأبجدية" يدل على مشقة وتكلف يضاف إليها سوداوية في قراءة المشهد المحيط.

ما يعني أننا في المحصلة أمام حالة شاعر مقل، قدم حصيلة نفسه شعرياً، بأكثر من أسلوب فنجح بإغوائنا حينما غرد بما يدور في تقاسيم ذاته، فبدا حاملاً مشعل الأصالة غير مفرط بألفاظها وقوالبها وموضوعاتها، وفشل إلى حد ما في مقاربة القضية أو القضايا الوطنية شعرياً فبدا، بحرفية متواضعة، مكرراً لما سبقه أو عاصره من شعراء كبار كبدر شاكر السياب ونزار قباني ومحمود درويش وغيرهم.

 

 

تمت قراءته 555 مرات آخر تعديل على الجمعة, 01 آب/أغسطس 2014 15:04