طباعة هذه الصفحة
الجمعة, 11 تشرين1/أكتوير 2013 19:01

القصة---- فيصل أبو سعد

كتبه 
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

فيصل أبو سعد

لا بنطال الجينز ذو النهايات المتسربلة بالخيطان،  ولا بلوزاتها الضيقة المشدودة فوقه كالغضب، كان لهما أن يختصرا بحراً يتنفس في كل مرة موجاً متلاطماً وأسى، ولا كان لهما، بكل ما أوتيا من الإثارة واللهفة أن يبعدا شبح الحزن المتشبث بعينين ذاهلتين لا تستقران على جهة أو رأي.

كنت أعتقد أن كل الذين يلبسون ألبسة صارخة وأحذية رياضية يتقافزون في مشيتهم كالقرود، ولكنني رأيتها تسير مثل غيمة مثقلة، لذلك فقد باعدت بين القصص والقصائد التي ما برحت تمور في نفسي، وأجلستها بينها لتستريح.

ليست صديقتي ولكننا اشتركنا في أمسية أدبية، قبل سنوات، أذكرها جيداً بشعرها الأشعث وأفكارها المتطرفة، كانت ضحكتها سحرية كأنها قادمة من الجنة، وخصلات شعرها ترفرف حولها لتنشر العطر والغيرة والتساؤل.

وعلى الرغم من جمالها الآسر إلا أن الجميع كان يتبرم منها، فأول سهم كانت تطلقه في النقاش هو كلمة تجبر محاورها على الابتعاد مسافة كافية للتظاهر بالاقتناع أو الهرب: (بالعكس) فمهما كان الموضوع وبغض النظر عمن يناقشها، لم تكن لتدخل إلا من خلالها، (بالعكس) كلمة تضعها في مواجهة العالم بأسره وكأنها قد قبضت على الشمس وسواها بجم.

كان المكشوف من قصصها – ومنها-يستقطب الآخرين أكثر من أفكارها، لذلك فقد تفوقت علي في آخر منازلة حول الخيال والواقع في الأدب، فكرتها كانت بسيطة وساذجة؛ وهي أن الواقع أغنى من الخيال، وقد كانت تردد ذلك بالاعتماد على فلسفة سقطت كما سقط أصحابها.أما أنا فاستحضرت أرواح(ديسوسر) و(رولان بات) و(جوليا كريستيفا)، عصرت التاريخ الأدبي كالإسفنج، وتحدثت كثيراً عن أهمية الفن كغاية، ولكن أياً من المشجعين لم يشجعني.

هل دعوتها إلى(صالة ألفا) لإسماعها قصتي الجديدة أم للانتقام منها؟ كنت أحلم بكتابة قصة دون مرجعيات، محض خيالٍ لا يربطه مع الواقع شيء، لذلك فقد اخترعت مواقف وحوادث لم تدر يوماً في رحى إنسان.

جلست قبالتي كدريئة، لكن ما خفف صلفي وأحبط كبريائي، أنها أسبلت شعرها المجعد باستسلام كئيب، وهدأت لسانها بمنطق رقيق كالجدول.ولكنها فرصتي كي أثبت لها صحة نظريتي!!؟ فهل ستقهرني هذه المرة أيضاً؟

-         اسمعي

أردت أن أقرأ لها قصتي الجديدة (العائد)، غير أنها رفضت، أولاً لأن وقتها ضيق، وثانيا لأنها توقعت قصةً مألوفة فهذا العنوان يفضح القصة منذ البداية.

-         بالعكس.

قطعت الطريق عليها دون أن انتبه إلى أنني استنجد بكلمتها المألوفة.وحين لمحت ابتسامة رقيقة من الشماتة على زاوية فمها، ورأيتها تنظر إلى ساعتها، وترشف قهوتها بسرعة، أيقنت أن فرصتي ستضيع، لذلك اقترحت عليها أن أحكي لها فكرة القصة فقط.

-         هيك الموضوع راح يطول وما في وقت والله.

-         بالعكس، أنا رح أحكي لك ملخص القصة فقط.

-         آسفة جداً، وبعدين مالي قلب اسمع قصص.

-         بالعكس، الفكرة طريفة ورح تعجبك كثير.

ودون أن أمنحها فرصة الهرب، بدأت الشرح، فقد فكرت أن أكتب عن الموت بطريقة.لم يسبقني إليها أحد، يتخرج البطل في بداية القصة من كلية الهندسة أو الطب، وفي اليوم نفسه تحدث مشكلة(سيعتقد القارئ أنه سيموت) ولكن لا، سيزج به في السجن لسبب ما، وهنا أصف البطل بأنه سيبدأ بالانكماش والنحول(وهنا أيضاً سيظن القارئ أنه سيموت لا محالة) ولكن لا.

كنت أختلس النظر إليها بين برهة والأخرى، فأراها وقد اعتراها نحول غريب وأخذت بالانكماش على نفسها، ولكنني أتابع يفرج عنه لسبب ما أيضاً، ويسافر إلى أمريكا.

الإنارة خافتة في (صالة ألفا)، والموسيقى الهادئة، وثيابها السوداء، وقصتي، كلها تحيل المكان إلى الكآبة واليباس، أما هي فقد بدأت الدموع تتلألأ في عينيها، وأخذت تقضم أضافرها بأسنانها وترتعش.

-         خلص.

-         يسافر إلى أمريكا وهناك.

-         خلص.

كيف سأتوقف الآن وقد لمحت أولى علائم الانتصار تلوح على محياها، فلتقل لي الآن إن كان الواقع أغنى أم خيالي المتوثب هذا.

وهناك في أمريكا يصاب بالسرطان، ويرسل أهله يخبرهم أنه عائد، فيزينون له البيت بالورود وأشرطة السلوفان، ويعدون له أطباقاً من الحلوى التي يشتهيها...

-         خلص...خلص...منشان الله ما تكفي.

-         وضحت الفكرة؟

-         نعم...نعم يعود(جمال) إلى بلده ويموت في الطائرة، ويدفنوه بين الورود والسلوفان، وتتحول حياة أهله إلى جحيم، وتكاد أخته التي زينت البيت أن تموت حزناً عليه، وبدلاً من ذلك، تراها تجلس كالبلهاء وتستمع لأبله مثلك يغتصب حياتها ويتلذذ بفجيعتها فقط كي يكتب قصة.

كانت تتحدث بهستيريا وبكاء وصراخ وأنا لم أكن أقل منها ارتباكاً، فقد عرفت اسم البطل ونهاية القصة دون أن اخبرها بشيء.

-         بس يعني...كيف عرفتي؟

دلقت فنجانها على الطاولة، وارتطمت برجل الكرسي وهي تهم بالانصراف وتجيبني ببضع كلمات سوف تعيدني إلى نقطة الصفر...

-         هاي القصة مو من الخيال، وأكيد أنت بتعرف أنو جمال كان خيي الكبير، الشهر الماضي رجع من أمريكا بس مات قبل ما يوصل مرتاح هيك؟ بخاطرك.

 

تمت قراءته 1327 مرات آخر تعديل على الجمعة, 11 تشرين1/أكتوير 2013 20:03
السويداء اليوم

فريق العمل في موقع السويداء اليوم

الموقع : www.swaidatoday.com