طباعة هذه الصفحة
الجمعة, 05 حزيران/يونيو 2015 16:43

. "القريّا" أكبر من مكان.

كتبه 
قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

معقل القائد العام للثورة السورية الكبرى سلطان باشا الاطرش

الزائر الى القريا خلال فصل الربيع، يلفت انتباهه جمال طبيعتها وسهولها المنبسـطة الخصبة التي تشكل امتداد لسهل حوران الخصيب حتى اقدام الجبل الغربية وموقعها المناخي هذا على ارتفاع  (1050م) أغرى بالتوطن منذ فجر التاريخ فجوها معتدل، ومناخها شبه رطب وتربتها البركانية الحمراء، صالحة لزراعة الحبوب وأشجار الفاكهة والكرمة والزيتون

والقريا معروفة بأثارها المتعاقبة منذ عصور ما قبل التاريخ فقد سكنها الاموريين والكنعانيون والانباط، خاصة اثار الفترتين الرومانية والإسلامية

ومن الناحية الاستراتيجية تحتل موقعاً مميزاً إلى الشمال الشرقي من قلعة يصرى وعلى بعد كيلومترات من الطريق الذي يصلها بقلعة صلخد مع ما لهاتين القلعتين من فضل في الحضارة العربية الاسلامية

ويؤكد حسين زين الدين رئيس دائرة آثار السويداء: ( إن أهم المعالم الأثرية في بلدة القريا التي مازالت باقية حتى اليوم أجزاء من قناة مياه بطول 50 كم تعود إلى الفترتين الرومانية والإسلامية كانت تنقل مياه الشرب من نبع تل قليب في جبل العرب والواقع إلى الشرق من بلدة الكفر وصولاً إلى مدينة بصرى الشام في درعا حيث تمت الاستفادة من مياه القناة في مكان يبعد 15 كيلومتراً عن بصرى وأنشئت هناك بركة ماء تعود إلى الفترة الأموية حيث قامت البعثة الفرنسية السورية المشتركة برئاسة البروفيسور جان ماري خلال الأعوام الماضية بالكشف عن تلك الأجزاء من قناة المياه وعن برك التجميع التي كانت تستخدم لمياه الشرب ويشير اقدم نقش كتابي إلى قيام الإمبراطور جوسيتان بترميمها وهناك نص مترجم في ذلك يقول.. هذا المعبد المبني من قبل موشقارات وابن الملك من أجل ذو الشراة إله رب إيل ملك بلاد الأنباط الذي عمل على إحياء وإنقاذ شعبه خلال العام العشرين من حكم سيدنا رب إيل الملك وهذا النقش تم عرضه مع مجموعة من القطع الأثرية الأخرى في معهد العالم العربي في باريس بين عامي 1995-2001 يدل بشكل واضح على ترابط ازدهار منطقة جنوب سورية بالعرب والأنباط حيث كانت بصرى مركز الأنباط الرئيسي في سورية مشيراً إلى أن بركة جميلة ومسورة كانت موجودة في البلدة وتعود فترة بنائها إلى عام 295 ميلادية إلا أنها تعرضت للردم وطمس معالمها.

حول اهمية الموقع الجغرافي للبلدة وللجبل عموماً قال الاستاذ جميل شقير ابن القريا في تصريخ خاص بموقعنا: إن وجود مرتفع جبل العرب مقابل فتحة مرج ابن عامر سمح بوصول المؤثرات البحرية والتي تسقط حمولتها في هذا الجبل المسكون منذ عشرة الآف عام قبل الميلاد وقد سكن من قبل الاموريين والكنعانيين والانباط وموقع القريا بين الأطراف الشرقية لسهل حوران واقدام الجبل الغربية على مقربة من ينابيع شحيحة نبع نمرة القريا ونبع حزحز وشرقها ينابيع اغزر (السخنة والباردة والحريشة) ولا نعرف من نقل مياه هذه الينابيع الثلاثة الى القريا بواسطة قناة مصنوعة من حجر البازلت المدفون على شكل الحرف اللاتيني

u

الاب عبدا الله بولص شحيّد خوري الكنيسة الكاثوليكية في كاتدرائية رئيس الملائكة مار ميخائيل في بلدة القريا حدثنا عن معنى القريا الرماني فقال: اعتقد بأنها تعني (قرن الغزال) وأضاف ان اول من سكن القريا هم ابناء رعيتي المنحدرين من اصل عربي عريق (آل الراشد) الملقبين بآل (الرمحين) وهو لقب منحه الشيخ اسماعيل الأطرش ل"سلامة الراشد" نظرا لشجاعته ودوره في الدفاع عن عائلات القريا خلال تعرضها للغزو، حيث انتزع رمح العدو وعاد به اضافة الى رمحه، وهم آل الراشد من استقبل اخواننا من العائلات الأخرى

وقال الكاتب جميل شقير: (سكنت من قبل أهلها الحاليين منذ قرابة ثلاثمائة عام ومعظمهم من الذين رحلوا من لبنان بعد الحرب الأهلية عام 1860 وعن منطقة صفد في فلسطين وكانوا مرتبطين بزعمامات عائلية فلاحية تخضع لسيطرة أسرة حاكمة آل الحمدان وبعدهم جاء آل الأطرش ولكنهم لم يكونوا اقناناً، بل فلاحين يدينون بالولاء لزعيم العائلة او الشيخ البارز في القرية ومعظمهم كان يملك ارضاً ويملك اعتداداً بنفسه وبزعيمه وهذا الوضع جعلهم يثورون ضد امتلاك الزعيم التقلدي لمعظم الأرض كما في العامية الأولى والعامية الثانية1895 ومظالم الأتراك جعلتهم يترفعون فوق إحساسهم بظلم الزعيم ويهرعون لمقاتلة الأتراك تحت راية الزعماء في الثورة العربية الكبرى وضد الاحتلال الفرنسي وسلطان الأطرش إضافة الى الصفات الشخصية النبيلة التي كان يتمتع بها، كان يجمع بين الحزم ولين الجانب وشدة الباس والإصرار على محاربة المحتل لطف المعشر مع اقرانه من الفلاحين في الوقت ذاته، فقد رافقته إلى الأردن ووادي الجوف في السعودية شخصيات فقيرة وربما لا تملك ارضاً زراعية ومنهم من كان تاجرا فرّط بأرباح تجارته وحمل السلاح وغادر اسرته ومتجره والتحق بالثورة)

المحامي ماجد الأطرش اجاب على سؤالنا حول ال الاطرش فقال: أن الشيخ اسماعيل الأطرش( مؤسس الزعامة الأول لبني الأطرش عام 1790-1869 م ) هو أول من سكن القريا وقد اشتراها، من مالكها السابق زين العابدين الذي كان يقيم في بصرى الشام واضاف: ومنذ سكنها الزعيم اسماعيل الاطرش وابناء عمومته واسرته وجماعته اصبحت عاصمة القرار السياسي في الجبل: (اسماعيل والده محمد ابن اسماعيل ابن عبد الغفار ابن الامير علم الدين المعني المستوطن الأول للجبل..)

وقد أشار المغفور له سلطان باشا الأطرش في مذكراته إلى تقضيله بلدته دون غيرها بقوله:(..وقريتي التي نشأت فيها وترعرعت في حقولها، وآثرت سكناها دون غيرها من القرى والحواضر، لا تزيد مساحة أرضها عن 225 فدانا بما في ذلك أرض " برد" و "نمرة" الواقعة إلى الجنوب من البلدة، وهذه الأراضي بمجموعها تكاد تكون سهلية، يقسمها الطريق العام المار في وسط القرية إلى قسمين متميّزيْن. ..)

الدكتور عبد الله حنا رأى في كتابه: (العامية والانتفاضة الفلاحية في جبل حوران) الصادر في دمشق 1990 أنشهرة البلدة في التاريخ الحديث لكونها موطن سلطان باشا الأطرش موضحاً أن الطرشان ملكوا في القريا 27 فدانا منها 14ونصف فدانا لذوقان والد سلطان وأنجب ذوقان أربعة ذكور هم: علي ومصطفى وسلطان وزيد..) ويتابع: ( امتلك سلطان طاحونا وثلثا من أصل ست طواحين مائية كانت ملكا لأهل القرية، وقبل الثورة عمل في أرض سلطان 18 مرابعا وجمّالان، اشرف عليهم خولي أي وكيل، كما وُجد في خدمة سلطان ومضافته حوّاط (يقوم بكل عمل لخدمة سيد المضافة منها تبليغ أهل القرية ومناداتهم للاجتماع) وقهوجي وملا (الذي ينقل الماء من النبع إلى البيت) كما ملك سلطان 14 جملا كانت ترجد (تنقل) الزروع من الحقول إلى البيادر وتقوم بنقل الحبوب من القريا إلى دمشق أو خربة غزالة. كما وُجد لديه قطيع كبير من الغنم. وعندما اضطر سلطان في أواخر 1926 إلى الانسحاب من الجبل إلى الأردن بعد كفاح بطولي بقيت أرضه بورا حتى أن الشجر يبس بسبب عدم العناية. وبعد العفو عن سلطان ورجوعه من المنفى عام 1937 عادت الأرض إلى عزها السابق"..)

واليوم تحتفظ القريا ً بنكهتها الخاصة فجوها ينبيء بالاسرة المتحابة لمختلف المكونات الاسلامية والمسيحية وهذا ليس غريباً في معقل القائد العام للثورة السورية الكبرى سلطان باشا الاطرش الذي جعل شعار الثورة السورية على المستعمر الفرنسي:

(الدين لله والوطن للجميع) فهي بدلالتها المعنوية والتاريخية نموذج يحتذى في توطيد تراث الآباء بالدفاع عن التنوع والثراء والانتماء للوطن فهي كما وصفها الاب عبدا الله بولص شحيد خوري الكنيسة الكاثوليكية في كاتدرائية رئيس الملائكة مار ميخائيل في بلدة القريا: (..أكبر من ضيعة وأكبر من بلد ..القريا وطن..! مضيفاً: إن صمودنا هو محبتنا الصادقة وفي لحمتنا الوطنية ..)

ففيها ارتفع العلم العربي لأول مرة في اذار عام 1917 بحضور عدد من القادة الوطنين في سوريا ومنها انطلق قرابة 500 فارس تحت الراية العربية الأولى بقيادة سلطان الأطرش ليكوّنوا مع عموم ابناء حوران طليعة الجيش العربي 1918، حيث دخلوا دمشق قبل وصول جيش الأمير فيصل وانزلوا العلم التركي ليرفعوا مكانه العلم العربي وهم يهزجزن مع شاعر الثورة المجاهد البطل معذى المغوش:

زينوا المرجة والمرجة لنا..شامنا فرجة وهي مزينة!، ويكفي هذه البلدة الواقعة فخراً أنها معقلَ القائد العام للثورة السورية الكبرى التي عمت كامل تراب سورية ولم تهدأ جذوتها إلا وقد ارغمت جبروت الاحتلال الفرنسي على الرحيل عن كامل التراب السوري وقد عمدت وحدة ارضها وشعبها بالدم

أما عدد سكان البلدة حالياً وفق رئيس البلدية مازن شقير فهو قرابة 17 ألفاً وقد سكنتها مؤخراً بضع مئات من العائلات القادمة بنتيحة الحرب من بصرى وحوران ومن مختلف المحافظات السورية وترتب على ذلك مضاعفة الطلب على الخدمات والمعاشية والمرافق العامة كالمياه والكهرباء والنظافة وغيرها

اهم معالم القريا المعاصرة صرح الثورة السورية الكبرى الذي دشن عام 2010 وفيه سجل بأسماء شهدائها من مختلف مناطق سورية يضم الصرح رفات القائد العام للثورة المغفور له سلطان الاطرش ومتحف الثورة الغني بتراث رجالاتها خاصة البيارق التي قاتل الثوار تحتها وما كسبوه خلال ملاحم نصرهم في معارك الكفر والمزرعة والسويداء من أسلحة وعتاد إضافة إلى مكتبة وقاعة عرض ومسرح

ولكننا شعرنا بالغصة خلال زيارتنا الأخيرة للبلدة لتصوير فيلم تلفزيوني عن البلدة جيث وجدنا بأن مشكلة تسرب مياه الأمطار الى متحف الصرح لا تزال قائمة رغم اننا سبق وطرحنا هذه المشكلة اكثر من مرة عبر الاعلام واجري تحقيق حول المشكلة التي تهدد موجودات المتحف التي لا تقدر بثمن وقد ظهرت منذ تدشين هذا الصرح العظيم وأفادنا الاستاذ حسين زين الدين مدير الآثار بأنه تم تشكيل لجنة فنية من الجهات المختصة يتابع عملها محافظ السويداء وسيتم اتخاذ ما يلزم لتلافي المشكلة قبل فصل الشتاء القادم

 

تمت قراءته 1204 مرات آخر تعديل على الخميس, 15 تشرين1/أكتوير 2015 00:44
منهال الشوفي

مدير موقع السويداء اليوم

كاتب وصحفي- شغل مهام مدير مكتب جريدة الثورة الرسمية في السويداء-أمين تحرير جريدة الجبل- مقدم ومشارك في إعداد عدد من برامج إذاعة دمشق

أصدر كتبابين (بيارق في صرح الثورة) مغامرة فلة -القصة الأولى من سلسلة حكايات جد الغابة

الموقع : facebook.com/mnhal.alshwfy