طباعة هذه الصفحة
الإثنين, 06 تموز/يوليو 2015 15:44

الرصيف الروماني في اللجاة ( طريق الحج)

كتبه 
قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

طريق الحج ، الرصيف الروماني ، الطريق الروماني ،أسماء لطريق واحد يبدأ من مدينة دمشق مارا من قلب منطقة اللجاة الصخرية الوعرة ليصل إلى مشارف مدينة السويداء من الغرب. قمنا بزيارة هذا الطريق وسرنا عليه مسافة طويلة وعشنا لحظات تخيلنا فيها عربات وفرسان وتجار يسيرون معنا قادمين من دمشق أو مغادرين إليها من ديونيسيوس ،السويداء القديمة . (*)

  وقبل أن نصف رحلتنا إلى ذلك الطريق لا بد من العودة إلى التاريخ لنرى ماذا كتب عنه المؤرخون وعلماء الآثار وأبناء المناطق المجاورة عبر فترته الزمنية الطويلة الممتدة إلى ما يزيد عن الألفي عام .

تاريخ الإنشاء

رغم أن الطريق يدعى بالرصيف الروماني إلا أنه \" من المتوقع أن هذا الخط كان له قدمٌ قبل وصول الرومان إلى المنطقة على حساب المملكة النبطية في ربيع عام 106 ميلادي\" (1)

أما البعثات الأجنبية التي درست آثار المنطقة في القرن الماضي فتؤكد هويته الرومانية الصرفة : \"إن طريق اللجاة من صنع روماني كامل ، وقد أنشئ واستخدم في الحقبة الواقعة بين ضم الولاية العربية للحكم الروماني (106 م ) وحكم ماركوس أوريليوس ( 161-180 م  ) . هناك وثائق تؤكد إجراء إصلاحات على الترقيمات الألفية الأكثر قدما في ذلك الطريق إبان ولاية كومودوس عام 186- 187 م ، وهو الأمر الذي يؤكد وجوده قبل ذلك بسنوات عديدة \" (2)

يتفرع هذا الطريق عن طريق دمشق نوى عند المسمية (Phaena) القديمة، حيث يتابع اتجاهه جنوب شرق عبر قسم من الأراضي وعرة المسالك في اللجاة ، ويلاحظ أن هذا الطريق لا يلامس أي موقع سكني باستثناء مروره بمحاذاة خربة الخريبات الواقعة إلى الشمال من قرية وقم على مسافة قريبة من بداية ما بقي من الطريق الأصلي الحجري قبل أن يتم قبل سنوات إنشاء طريق جديد معبّد على أنقاض الطريق الروماني القديم (طريق الحج الحالي ،من السويداء إلى جنوب عريقة إلى الغرب من وقم) ما أدهش الآثاري الفرنسي فرانك بريمر الذي يدرس آثار المنطقة ،ولم يتخيل يوما أن السلطات المحلية ستزيل معالم الطريق الروماني بإنشاء طريق حديث فوقه. أما حول تسميته (طريق الحج) فهو لأنه استخدم من قبل قوافل الحج القادمة من دمشق باتجاه مكة ،وقد كانت قرى حوران سهلا وجبلا محطات استراحة لتلك القوافل خصوصا مدينتي السويداء وبصرى ،ويشهد على ذلك البركتان الكبيرتان الموجودتان في كل من بصرى والسويداء والمعروفتان باسم  (بركة الحج) لإستراحة الحجاج قربهما . لكن يبدو أن طريق اللجاة أصبح يشكل خطرا ما على تلك القوافل في فترة لاحقة بسبب سكن البدو في اللجاة وضواحيها ، فتغير سير القوافل إلى الفرع الثاني من طريق الحج المتجه من المسمية إلى نوى وباقي مناطق السهل الحوراني. وقد تناول الرحالة الغربيون موضوع (محمل الحج )في معظم رحلاتهم التي كانت تصادف في موعد مسير تلك الحملة وذكر معظمهم أنها كانت تتوجه من دمشق إلى حوران وتتجمع في المزيريب قبل متابعة مسيرها إلى الأراضي المقدسة في الحجاز.

  بدأت رحلتنا مع مرافق من المنطقة هو مختار قرية وقم الشاب الذي يعرف جيدا هذا الطريق وما حوله من أراضي اللجاة ،وأول ما لاحظنا عند دخولنا الرصيف هو استقامته الواضحة وصفوف الحجارة الثلاثة على جانبيه وفي الوسط . وعند التوغل نحو الداخل لاحظنا أن منشؤوه قد احتاجوا أحيانا إلى ردم أراضي منخفضة عن سوية الطريق على ارتفاع مترين أو ثلاثة ويعتبر ذلك عملا جبارا في ذلك الزمان . عن هذا يضيف د. خليل المقداد أن \" الشئ المذهل في هذا الطريق والذي تبين بعد دراسة مساره بوساطة الصور الجوية والأقمار الصناعية أنه أخذ استقامة دقيقة في مساره داخل منطقة اللجاة من الشمال إلى الجنوب ، وهذا يؤكد أيضا على المستوى العالي في المعرفة لدى سكان المنطقة واستخدامهم الطرق العلمية في تنفيذ المشاريع الكبرى\" (3)  ويلاحظ في بعض أجزاء الطريق صعوبة السير عليه لتناثر الحصى تحت الأرجل مما يدعو للتفكير أن الطريق كان مغطى بطبقة من الحصى والرمال لكنها زالت بفعل السيول والحت عبر الزمن. ويرجح هذا الإحتمال أمرا هاما أن العربات يصعب عليها التحرك على الحجارة مباشرة دون تلك الحصى والرمال .

المنارات

  بعد توقفنا بعد حوالي 200 م من بداية المسير عند خربة الخريبات ورصدنا أوابدها الأثرية واضحة المعالم ،تابعنا رحلتنا عبر الرصيف الروماني حتى وصلنا إلى المنارة الأولى وهي واحدة من العديد من المنارات بقي منها خمس منارات ،فما هي هذه المنارات ولم بنيت بمحاذاة هذا الطريق ؟!

   كما هي الحال في الطرق الطويلة بين المدن أو الدول أنشئ على هذه الطريق أبراج مراقبة ومحطات استراحة عرفت باسم المنارات لأنها كانت تنار ليلا كي ترشد المسافر على الطريق في أرض موحشة يخشاها السائر نهارا فما بالك بالسير عليها ليلا ! بقي من هذه المنارات آثار خمس منها تسمى بدأً من الجنوب إلى الشمال بالمنارة الأولى ثم الثانية والثالثة وهكذا حتى الخامسة. وعرفت الثالثة منها بمنارة الحَنُو بينما عرفت أشهرهن على الإطلاق - وهي الخامسة- بمنارة شريف نسبة إلى والي سوريا في عهد حكم محمد علي باشا المصري شريف باشا الذي قاد بإمرة ابراهيم باشا حرباً على أبناء جبل حوران دامت حوالي سنة بين عامي  1838-1839.

 من خلال مشاهدتنا للمنارة الأولى وجدنا أنها تقع على مرتفع من الأرض قرب بئر ماء ،وعلمنا أن هذه هي الحال دائما في المنارات الأخرى المبنية على مرتفعات وقربها بئر ماء حفر يدويا بالصخر لتجميع المياه لاستخدامها من قبل القائمين على تلك المنارات. المنارة الأولى عبارة عن بناء مهدم ،كما يتضح من الصورة المرفقة ، لم يبق منها سوى عدة مداميك بارتفاع طابق واحد وقد بنيت بحجارة مقصبة لكنها مختلفة الأحجام وخشنة ، وليس بالضرورة أن يكون تاريخ إنشائها يوافق تاريخ إنشاء الرصيف فربما بنيت لاحقا أو جددت أكثر من مرة . أبعاد المبنى حوالي عشرة أمتار طولا وعرضا ويلاحظ اختيار بنائها قرب تلتين صخريتين هما بالأصل سيالة بركانية تبرّدت وشكلت فوالق وشقوق جميلة التكوين أطلق عليها أبناء المنطقة اسم (أبواب الهوا) .

 وتعتبر المنارة الخامسة الأشهر بين المناراة الخمس ولم نتمكن من الوصول إليها لبعدها في وسط اللجاة. سميت المنارة منارة شريف نسبة إلى شريف باشا سابق الذكر وهي \"بناء طوله بين 8-11 مترا وارتفاع عال لم يبق منه بعد الهدم والتدمير سوى بناء بارتفاع 3 أمتار وجدران بسماكة تبلغ 165 سم. وقد بنيت المنارة بقطع كبيرة منحوتة بشكل جيد تظهر فيها بعض الحجارة المزخرفة التي يعتقد أنها أجزاء من بوابة كبيرة، وللمنارة مدخل من الجهة الغربية يتصل برصيف يبدأ بالارتفاع رويدا باتجاه الشرق ليصل إلى المنارة\"  وارتبطت المنارة بمعبد يبعد عنها حوالي 300 مترا بمحاذاة الرصيف الروماني وهو عبارة عن بناء مستطيل أبعاده من 10 – 14 مترا تقريبا وجدت في موقعه العديد من التماثيل لرجال ونساء ومحاربين يحملون دروعاً (4) ويبدو أن العديد من هذه المنحوتات قد نقلت لاحقا إلى قرب المنارة ورتبت حولها في مشهد يشبه المتحف كما يحدثنا السيد سالم حماد الذي اعتاد على التجوال في المنطقة وتوثيقها بالصور والملاحظات ،وقد ذكرتْ له سابقا بدويات صغيرات يسكنَّ المنطقة أنهن كنا يقفن قرب تمثال من تلك التماثيل فيصل رأس الواحدة منهن إلى صدره. ولا زالت بقايا من تلك التماثيل موجودة في المكان لكنها مكسرة ومهملة.(5)

وعودة إلى تسمية المنارة باسم شريف باشا حاكم بلاد الشام في عهد محمد علي باشا المصري الذي انتهى عام 1840 ، فقد كان شريف باشا يملك مزرعتين في اللجاة في قيراطة وحامر من قرى اللجاة ، وخلال الحرب التي دارت بين قوات محمد علي باشا التي قادها شريف باشا نفسه تحت إمرة ابراهيم باشا استخدم شريف باشا هذه المنارة لمراقبة حركات ثوار جبل حوران وذُكر أنه جرت إحدى معارك تلك الحرب قرب تلك المنارة . (6)

 الترقيمات الألفية

من أجل تحديد المسافة على طول الطرقات كانت تشاد شاخصات كتابية تكتب فوق أعمدة أو ألواح حجرية بارزة بلغة مزدوجة (7) . وكانت الأعمدة مؤلفة من حجارة أسطوانية صغيرة القطر مقارنة بحجارة الأعمدة في الأبنية ، وقد اختفت نهائيا لسهولة تخريبها وقد استخدم معظمها في أيام لاحقة من قبل سكان المناطق المجاورة مداحل للسطوح. وقد وجدت بعض من تلك الحجارة قرب الرصيف منها واحدة أو أكثر مع قاعدة الترقيمة قرب منارة الحنو.(8)  وسميت الترقيمات الألفية لأنها كانت تشاد على مسافة 1000 خطوة بين الترقيمة ومجاورتها ، وسميت أحيانا الترقيمات الميلية ،ربما لإشادتها على بعد ميل واحد .  

مهام الطريق

كان لطريق الحج مهام عدة كونه من ضمن شبكة من الطرق الرومانية في حوران، ويمكن تلخيص مهامها عموما بالتالي:

1-   التحرك العسكري : فقد بدا هذا الطريق وكأنه ذو تنظيم عسكري بصورة أساسية ، ويقصد منه تأمين تنقلات الجيش السريعة في منطقة تتميز بأرض وعرة (جبال وحمم بازلتية) عند التماس مع البدو الرحل الذي كان يصعب إخضاعهم كليا،كذلك السكان غير المنضبطين في منطقة اللجاة الذين كانوا يستطيعون تهديد المبادلات التجارية بين بصرى ودمشق.

2-   التنقل التجاري: حيث سهل سلوك هذا الطريق الأمر على التجار الذين أصبحوا يسيّرون قوافل على تلك الطرق ،وكان سلوكها يريح التاجر من عناء تقفي أثر دربه في الليل عبر النجوم وشروق الشمس وغروبها.

3-   المواصلات بين القرى والمدن: حيث كانت هناك شبكة من الطرق بين تلك القرى والمدن تتصل بعضها ببعض وتلتقي مع هذا الطريق في عدة أماكن(9)

  ويضيف د. خليل المقداد عن مهام الطريق الروماني : \" كان من المهام الضرورية لهذا الطريق نقل القوات الضاربة وخاصة فرق الفروسية التي كانت تعتمد على نقل العربات الحربية ومنها قاذفات المجانيق ، وكذلك نقل البريد السريع وإقامة الكتائب العسكرية التي تؤمن المواقع في المنطقة وتوفر الأمن والحماية لها.(10) 

 لا ندري ماذا يخبئ الزمن لهذا الطريق العظيم ،وهل ستتم حمايته من الإندثار خصوصا بعد أن أضيفت منطقة اللجاة مؤخرا إلى السجل العالمي للمحميات الطبيعية ؟ . نتمنى ذلك !                                        

المراجع :

    (*) جولة أثرية قامت بها لجنة الآثار في جمعية العاديات - فرع السويداء بتاريخ 16/1/2009

(1)            مواقع أثرية في اللجاة جنوب سوريا ، د. خليل المقداد ، مجلة المعرفة العدد 597 ، حزيران 2012، ص 101

(2)            سوريا الجنوبية (حوران 1) مجموعة من الباحثين باشراف ج م دنتزر. دار الأهالي ،دمشق 1988. ص 225

(3)            مواقع أثرية في اللجاة ...ص 100

(4)            منارة شريف ، ياسر أبو نقطة ، مدونة وطن الإلكترونية ، درعا .

(5)            حديث مع السيد سالم حماد ، شهبا 30/5/2015 .

(6)            انتفاضات الشام على مظالم محمد علي باشا ، د. فندي أبو فخر، دار الينابيع ، دمشق، ط1 ، 2004 ص 67 .

(7)            مواقع أثرية في اللجاة ...ص 100

(8)            سوريا الجنوبية (حوران 1) ص 242-243

(9)             سوريا الجنوبية (حوران 1) ص 239

(10)      مواقع أثرية في اللجاة ...ص 101.

 

 

الصور المرفقة

تمت قراءته 799 مرات